16
۱۷
لاحتلال إنجليزى بغيض ، وبدا للعيان أن حاكمها من أسرة محمد على لا يمت إليها بصلة جنسية ولا قومية ، فهى ليست أكثر من بقرة حلوب يمتصها الأجنبى عن طريقه . وحكمت مصر بالمستشارين الإنجليز ، وكان يتولى وزارتها مصريون ، ولكن أكثرهم كان من أصول تركية. وكانت سياسة الإنجليز أن يحكموا هؤلاء الوزراء بمستشاريهم وموظفيهم فى الوزارات أو النظارات المختلفة . وأنشأوا مجالس تشريعية ، ولكنها كانت مغلولة السلطان ولم يكن لها من الأمر شيء. على أن هذا الاحتلال التعس لم يقض على الحركة الوطنية قضاء مبرماً ، فقد خمدت ولكن إلى حين ، إذ كانت قد نشأت طبقة المصريين المستنيرة وأخذت تشارك في الحكم وتتقلد مناصبه الكبرى، ورجع المنفيون إلى مصر في عهد عباس الثانى ، ونشطت الحركة الوطنية ممثلة فى الزعيم الخالد مصطفى كامل، فأصدر في سنة ۱۸۹۹ صحيفة اللواء ، واتخذ منها ومن خطبه النارية أداة لإلهاب عواطف المصريين ضد الإنجليز ، وأسس الحزب الوطنى ، وزار كثيراً من عواصم
أوربا يعرض قضية مصر ويندد بالاحتلال الإنجليزى غير المشروع . ثم كانت حادثة دنشواى المعروفة سنة ١٩٠٦ وهى تلك التي توفى فيها
ضابط إنجليزي كان يصطاد الحمام بهذه البلدة إثر ضربة شمس وظن الإنجليز أن أهل هذه البلدة قتلوه ، فأنزلوا عقاباً وحشيا بهم فظيعاً، إذ نصبوا المشانق في البلدة ، فشنقوا طائفة ، وسجنوا أخرى، ونزلوا بالسياط على ثالثة . وكانوا جميعاً أبرياء، ولكنه طغيان الباغي الذي لا يعرف رحمة ولا شفقة ، وقابل الشعبُ هذا الحادث ومعه زعيمه مصطفى كامل بالاستياء الشديد ، وبدا لرأى العين أن المصريين لا يزيدهم الإرهاب إلا حقداً وسخطاً
على المحتل الغاصب
وتمادى الإنجليز في عنهم وظلمهم وسجونهم وتضييق الخناق على حريات المصريين ، حتى كانت الحرب الأولى فأعلنوا الأحكام العرفية . ووضعت الحرب أوزارها فثار عليهم المصريون ثلاث سنوات طوالا، ولم يفل من عزمهم نفى ولا تشريد ولا سجون ، بل ظلوا يحاد ونهم ويعاندونهم ، حتى اضطر وهم