8
فكلّما أكلت لقمة شربت عليها وعين هِمَّتِي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم. فأثمر ذلك عندي أني عُرِفت بكثرة سماعي لحديث سير الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وآدابه وأحوال الصحابة وتابعيهم؛ فضرتُ في معرفة طريقه كابن أجود وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرك بالعلم حتى أنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الحلمة والعزبة قُدْرَتي على أشياء كانت النفس تتوقُ إليها تقوان العطشان إلى الماء الزلال، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من العلم من خوف الله عز وجل.
ويقول مخاطباً ابنه ومحدثنا عن هذه الفترة وما ذَلَّ أبوك في طلب العلم قط، ولا خرج يطوف في البلدان كغيره من الوعاظ، ولا بعث رقعة إلى أحدٍ يُطلب منه شيئاً قط وأموره تجري على السداد وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخَرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يحتسب ﴾ [٦٥ سورة الطلاق / الآيتان : ۲ و ۳](١ ) .
وأما عن علو همته في طلب العلم، فيقول: وما أبتلي الإنسان قط بأعظم من علوّ همّته، فإن مَنْ عَلَتْ هِمَّتُه يختار العالي، وقد لا يساعد الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب؛ وإنِّي أُعطيتُ من علو الهمة طَرَفاً، فأنا فيه في عذاب
(۲)
ويقول : خُلِقَتْ لي همة عالية تطلب الغايات، فَعَلَتْ السن وما بلغت ما أَمَّلْتُ، فَأَخَذْتُ أسْأَلُ تطويل العمر، وتقوية البدن، وبلوغ
الأمال (۳) .
ويقول عن كثرة اطلاعه ومطالعاته : سبيل طالب الكمال في طلب
(۱) الفتة الكبد : ٤٨. (۲) صيد الخاطر»: ٢١٥. (۳) صيد الخاطر: ٢٢٦.
9