← المكتبة ▭▭ 2 pages
أبو الطيب المتنبي وماله وما عليه - الثعالبي - ت عبد الحميد
عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي النيسابوري الأدب والبلاغة
A− A+
4
أبو الطيب المتني الطيب من بطانته ، وتنافسهم فى ذلك ، فلما لم يبلغ هؤلاء المؤملون هذه الأمنية أكل الحقد عليه قلوبهم ، واشتعلت جذوة الحسد بين جوانحهم ، فتفننوا في التقول عليه والدس له . ونشروا عنه من المقابع ما لم يكن يعلم من أمر أكثره شيئا ، ولم يكتفوا بأن يعملوا على إبعاده عن الملوك الذين كان التقرب إليهم منتهى آمالهم . بل حاولوا التفريق بينه و بين الجمهور ، فجاءوه من ناحية الدين : منهم أن الدين فى نظر جمهرة الناس وعامتهم المنزلة الأولى ، فإذا أتى الرجل من جهته فقد سقط وإن بقى له كل شيء ره رسي . بأنه كان رقيق الدين تاركا لأركان الإسلام ، ورموه بأنه كان يستخف بالأنبياء ويستصغر شأنهم ، ورموه بأنه ذهب في الفلسفه مذهبا بعيدا عما يعتقده المسلمون ، وقد نسوا - حين رموا أبا الطيب بذلك كله - أن. دين الإسلام شديد الصراحة في حكم هذه المسألة، وأنه لا يحل لمن يعتنقه أن أن يرمى أخاه بأمثال هذه التهم لإرضاء حفيظة نفسه حتى يكون بين يديه دليل لا يقبل التأويل . ولسنا ـ حين تتشكك فى أخبار هؤلاء الناس ، أو تشكر استنتاجهم - ندعى لأبي الطيب أنه كان رجلا صالحا ورعا يقوم الليل ويصوم النهار ويطيل العبادة وقراءة القرآن ، واسكنا نفعل ذلك لنقرر أن حياة أبي الطيب قد أحاطها أعداؤه بكثير من الغموض ، وأحاطوها مع هذا الغموض بكثير من الأكاذيب والمفتريات ؟ كان من شأنها أن تريك حياته سلسلة من المتناقضات حكى على بن حمزة البصرى قال : ( بلوت من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة ، وتلك أنه ما كذب و لازني ولالاط ، وبلوت منه ثلاث خلال ذميمة .. وتلك أنه ماصام ولا صلى ولا قرأ القرآن، وهذا خبر لم يذكر قائله معه وجها يقربه من الصدق . وهل يستطيع إنسان في الدنيا أن ينفي عن آخر فعل شيء حتى يزعم أنه لزمه طول حياته فلم يفارقه ، وأنه ما رآه يفعله فط ؟ !
→ prev 4 / 141 next ←