17
) وبعد فأولى ما تهم به الهمم العوالي وتصرف فيه الأيام والليالي، تعلم
المعالم الدينية، والكشف عن حقائق الملة الحنيفية، والغوص في تيار بحار مشكلاته والفحص عن أستار أسرار معضلاته ) ، بعد بضم الدال على الصحيح مقطوع عن الإضافة أي بعد ما سبق من التقديس والتنزيه، والحمد والصلاة والعامل فيه فعل مقدر تقديره أقول، وهو معطوف بالواو على نحمد ونصلي، و بعده فعل آخر مقدر تقديره ( تنبه » هو معمول القول لأجله دخلت الفاء على «أولى» وفي الفاء فائدة أخرى وهي رفع توهم اضافة بعد إلى أولى.
*
وقوله : تهم بضم الهاء يقال هم بالأمر يهم هماً أي أراده، فأما بكسر الهاء فهو من الهميم وهو الدبيب والهمم جمع همة وهي الواحدة تقول همة مثل جلسة بالفتح للمرة، وبالكسر للهيأة والجمع لها * وإسناد الفعل للهمم وهو في الحقيقة لفاعلها من باب قولهم شعر شاعر والمعالم جمع معلم، وهو ما جعل علامة للطرق والحدود، مثل أعلام الحرم ومعالمه المضروبة عليه، ويقال المعلم الأثر، وهو راجع إلى معنى العلامة، ولا خلاف في المعنى والمعالم الدينية الأدلة الشرعية، وكل ما يهدي إليها وتعلمها ،تعرفها، والملة الحنيفية هذه الملة. قال : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » (۱) وسميت حنيفية لأنها على ملة إبراهيم، والحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم عليه السلام، وسمي إبراهيم عليه السلام حنيفاً لميله عن دين الصابئة وهم عباد الكواكب، رسمى أنباء احتفاء لذلك، ولميلهم عن اليهودية والنصرانية، قال تعالى ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نُصْرَانِياً وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً ) (٢)
والملة الدين، والدليل على أن هذه الملة ملة إبراهيم قوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ أن اتبعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمُ ) (۳) وادعى بعض العلماء أنها موافقة لها في الأصول أَنِ ) والفروع، والمشهور أنها موافقة لها في الأصول فقط، وعلى هذا لا اختصاص لملة إبراهيم بذلك، لأن دين الأنبياء كلهم واحد في الأصول، وإنما اختلفت
(1) أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة وعائشة - رضي الله عنهم .
(۲) سورة آل عمران (٦٧).
(۳) سورة النحل (۱۲۳).
١٦