31
والمحكي في ذلك ثلاثة أقوال
:
أحدها: أنه إجماع . وهو بعيد جداً ، لأن الإجماع عبارة عن اتفاق جميع المجتهدين من أهل العصر ، وذلك إما بالقول أو بالفعل اتفاقاً ، وإما بقول البعض وسكوت الباقين مع اطلاعهم ، على القول المتقدم . فأما إذا لم يعلموا فيمتنع رضاهم به أو رَدُّهم له
والثاني : أنه حجة وإن قلنا إن قول الصحابي بمفرده ليس بحجة ، لأنه لما انتشر ذلك القول ولم يظهر خلاف ، علم أنه قد سمعه الأكثر فأقروه عليه . وذلك لا يكون منهم إلا عن ثبت ودليل ، لما يُعْلَمُ من
صلابتهم في الدين وتحقيقهم فيه
والثالث : وهو اختيار فخر الدين الرازي : إن كان ذلك مما تعم به البلوى ، وتدعو الحاجة إليه ، فهو يجري مجرى الإجماع ، أو يكون حجة ،
(٤٣) على هذا الاستدلال مؤاخذة من وجهين : الأول : كونه لم ينقل فيه خلاف لا يعني انتفاء الخلاف ، فما الذي يمنع أن يكون خالف في ذلك الصحابة ، لكن لم ينقل خلاف المخالفين . إذ من الغفلة أن نعتقد أن خلاف كل مخالف في أمر اجتهادي قد نقل إلينا .
والثاني: قوله إنه إذا انتفى الخلاف لزم أن يكون الجميع راضين موافقين . ففي ذلك نظر ، وقد سبق أن بينا أن الأحوال ثلاثة ، وهي حال الموافقة ، وحال المخالفة ، وحال من لم يوافق ولم يخالف ، وهي حال من لم ينظر في الأمر ولم يجتهد فيـه أصلاً ، أو نظر واجتهد ولكن لم يتضح له الحكم . فإذا انتفى حال الخلاف دار الأمر بين الاحتمالين الآخرين ، فلا تكون الموافقة لازمة . وهذا بين كالشمس
.
٣٤