بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
الْقَوْلُ فِيهِ يَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ بَعْدَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ : الْفَصْلُ الْأَوَّلُ : فِي أَنْوَاعِ الدَّعَاوِي الْمُوجِبَةِ لَهُ وَشُرُوطِهَا . 488 الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي صِفَاتِ الْمُتَلَاعِنَيْنَ . الثَّالِثُ : فِي صِفَةِ اللِّعَانِ . الرَّابِعُ : فِي حُكْمِ نُكُولِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ رُجُوعِهِ . الْخَامِسُ : فِي الْأَحْكَامِ اللَّازِمَةِ لِتَمَامِ اللِّعَانِ .
فَأَمَّا الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ اللِّعَانِ : أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ) . الْآيَةَ . وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ مِنْ مُخَرِّجِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ " إِذْ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْعَجْلَانِيِّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ، فَتَقْتُلُوهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتَ عَنْهَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَطَ النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ، فَتَقْتُلُوهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآنٌ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ، وَقَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا ، قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ! فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ .
وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ الْفِرَاشُ مُوجِبًا لِلِحُوقِ النَّسَبِ كَانَ بِالنَّاسِ ضَرُورَةٌ إِلَى طَرِيقٍ يَنْفُونَهُ بِهِ إِذَا تَحَقَّقُوا فَسَادَهُ ، وَتِلْكَ الطَّرِيقُ هِيَ اللِّعَانُ ، فَاللِّعَانُ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْقِيَاسِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُهُ ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِهِ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ الدَّعَاوِي الْمُوجِبَةِ لَهُ وَشُرُوطِهَا .
وَأَمَّا صُوَرُ الدَّعَاوِي الَّتِي يَجِبُ بِهَا اللِّعَانُ فَهِيَ أَوَّلًا صُورَتَانِ : إِحْدَاهُمَا دَعْوَى الزِّنَا ، وَالثَّانِيَةُ نَفْيُ الْحَمْلِ .
وَدَعْوَى الزِّنَا لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مُشَاهَدَةً ( أَعْنِي أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ شَاهَدَهَا تَزْنِي كَمَا يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى الزِّنَا ) ، وَأَنْ تَكُونَ دَعْوَى مُطْلَقَةً .
وَإِذَا نُفِيَ الْحَمْلُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْفِيَهُ أَيْضًا نَفْيًا مُطْلَقًا ، أَوْ يَزْعُمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ بَسَائِطَ ، وَسَائِرُ الدَّعَاوِي تَتَرَكَّبُ عَنْ هَذِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَهَا بِالزِّنَا وَيَنْفِيَ الْحَمْلَ ، أَوْ يُثْبِتَ الْحَمْلَ وَيَرْمِيَهَا بِالزِّنَا .
فَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا إِذَا ادَّعَى الرُّؤْيَةَ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ : إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدُ .
489 وَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ : الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَغَيْرُهُمْ . وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ : فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اللِّعَانُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا إِنَّهُ يَجُوزُ ، وَهِيَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) . الْآيَةَ . وَلَمْ يَخُصَّ فِي الزِّنَا صِفَةً دُونَ صِفَةٍ ، كَمَا قَالَ فِي إِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ . مِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ : " أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا " ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ : " فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ : " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ " الْآيَةَ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِبَيِّنَةٍ كَالشَّهَادَةِ . وَفِي هَذَا الْبَابِ فَرْعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَهُوَ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ بَعْدَ اللِّعَانِ ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا سُقُوطُ الْحَمْلِ عَنْهُ ، وَالْأُخْرَى لُحُوقُهُ بِهِ .
وَاتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الدَّعْوَى الْمُوجِبَةِ اللِّعَانَ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ تَكُونَ فِي الْعِصْمَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِدَعْوَى الزِّنَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِعَانٌ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ : بَيْنَهُمَا لِعَانٌ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْفِيَ وَلَدًا وَلَا حَدَّ ; وَقَالَ مَكْحُولٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَقَتَادَةُ : يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ .
وَأَمَّا إِنْ نَفَى الْحَمْلَ : فَإِنَّهُ كَمَا قُلْنَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، فَقَالَ مَرَّةً : ثَلَاثَ حِيَضٍ ، وَقَالَ مَرَّةً : حَيْضَةً . وَأَمَّا نَفْيُهُ مُطْلَقًا ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِذَلِكَ لِعَانٌ . وَخَالَفَهُ فِي هَذَا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَقَالُوا : لَا مَعْنَى لِهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَحْمِلُ مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ; وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَفْيُ الْحَمْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَذْفٍ .
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ ، وَهُوَ وَقْتُ نَفْيِ الْحَمْلِ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ : يَنْفِيهِ وَهِيَ حَامِلٌ ، وَشَرْطُ مَالِكٍ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَنْفِهِ وَهُوَ حَمْلٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِلِعَانٍ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالْحَمْلِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ مِنَ اللِّعَانِ فَلَمْ يُلَاعِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْفِي الْوَلَدَ حَتَّى تَضَعَ .
وَحُجَّةُ مَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ حَكَمَ بِاللِّعَانِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَمَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا " ، قَالُوا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فِي وَقْتِ اللِّعَانِ . وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَنْفُشُ وَيَضْمَحِلُّ ، فَلَا وَجْهَ لِلِّعَانِ إِلَّا عَلَى يَقِينٍ . وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ : أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ عَلَّقَ بِظُهُورِ الْحَمَلِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً : كَالنَّفَقَةِ ، وَالْعِدَّةِ ، وَمَنْعِ الْوَطْءِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قِيَاسُ اللِّعَانِ كَذَلِكَ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُلَاعِنُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْفِ الْحَمْلَ إِلَّا وَقْتَ الْوِلَادَةِ ، وَكَذَلِكَ مَا قَرُبَ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَلَمْ يُوَقِّتْ 490 فِي ذَلِكَ وَقْتًا ، وَوَقَّتَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، فَقَالَا : لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ; وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا اللِّعَانَ فِي وَقْتِ الْحَمْلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَهُ نَفْيَهُ فِي وَقْتِ الْعِصْمَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَفْيِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا بِالْفِرَاشِ ، وَذَلِكَ هُوَ أَقْصَى زَمَانُ الْحَمْلِ عِنْدَهُ ، وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عِنْدَهُ ، أَوْ خَمْسِ سِنِينَ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ حُكْمُ نَفْيِ الْوَلَدِ بَعْدَ الطَّلَاقِ إِذَا لَمْ يَزَلْ مُنْكِرًا لَهُ ، وَبِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ قَوْمٌ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَ الْحَمْلَ إِلَّا فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ ، وَإِنْ نَفَاهُ فِي غَيْرِ الْعِدَّةِ حَدَّهُ وَأَلْحَقَ بِهِ الْوَلَدَ ، فَالْحُكْمُ يَجِبُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَى انْقِضَاءِ أَطْوَلِ مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ الظَّاهِرِيَّةَ تَرَى أَنَّ أَقْصَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْحُكْمُ هُوَ الْمُعْتَادُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهِيَ التِّسْعَةُ أَشْهُرٍ وَمَا قَارَبَهَا ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ فِي مُدَّةِ الْعِصْمَةِ ، فَمَا زَادَ عَلَى أَقْصَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهِيَ السِّتَّةُ أَشْهُرٍ ( أَعْنِي : أَنْ يُولَدَ الْمَوْلُودُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ أَوْ إِمْكَانِهِ ، لَا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ ) ، وَشَذَّ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ : مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الدُّخُولَ غَيْرُ مُمْكِنٍ . حَتَّى أَنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ الْأَقْصَى امْرَأَةً بِالْمَشْرِقِ الْأَقْصَى ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِرَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرِيٌّ مَحْضٌ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عُمُومَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ - الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِالْعَقْدِ ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ ، وَهَذَا شَيْءٌ ضَعِيفٌ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى أَنَّهَا زَنَتْ وَاعْتَرَفَ بِالْحَمْلِ ، فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إِحْدَاهَا أَنَّهُ يُحَدُّ ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ ، وَلَا يُلَاعِنُ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ . وَالثَّالِثَةُ : أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَيُلَاعِنُ لِيَدْرَأَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ . وَسَبَبُ الْخِلَافِ : هَلْ يَلْتَفِتُ إِلَى إِثْبَاتِهِ مَعَ مُوجِبِ نَفْيِهِ وَهُوَ دَعْوَاهُ الزِّنَا ؟
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ وَهُوَ : إِذَا أَقَامَ الشُّهُودَ عَلَى الزِّنَا هَلْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُدُ : لَا يُلَاعِنُ ، لِأَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا جُعِلَ عِوَضَ الشُّهُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ " الْآيَةَ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ ، لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي دَفْعِ الْفِرَاشِ .
فَأَمَّا الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ اللِّعَانِ : أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ) . الْآيَةَ . وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ مِنْ مُخَرِّجِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ " إِذْ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْعَجْلَانِيِّ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَاصِمُ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ، فَتَقْتُلُوهُ ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ سَلْ يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَ عَاصِمٌ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ جَاءَ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ ، مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتَ عَنْهَا ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا ، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَطَ النَّاسِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ ، فَتَقْتُلُوهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآنٌ ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا ، وَقَالَ سَهْلٌ : فَتَلَاعَنَا ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا ، قَالَ عُوَيْمِرٌ : كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا ! فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ .
وَأَيْضًا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ الْفِرَاشُ مُوجِبًا لِلِحُوقِ النَّسَبِ كَانَ بِالنَّاسِ ضَرُورَةٌ إِلَى طَرِيقٍ يَنْفُونَهُ بِهِ إِذَا تَحَقَّقُوا فَسَادَهُ ، وَتِلْكَ الطَّرِيقُ هِيَ اللِّعَانُ ، فَاللِّعَانُ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْقِيَاسِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، إِذْ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُهُ ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي إِثْبَاتِ حُكْمِهِ .
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَنْوَاعِ الدَّعَاوِي الْمُوجِبَةِ لَهُ وَشُرُوطِهَا .
وَأَمَّا صُوَرُ الدَّعَاوِي الَّتِي يَجِبُ بِهَا اللِّعَانُ فَهِيَ أَوَّلًا صُورَتَانِ : إِحْدَاهُمَا دَعْوَى الزِّنَا ، وَالثَّانِيَةُ نَفْيُ الْحَمْلِ .
وَدَعْوَى الزِّنَا لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مُشَاهَدَةً ( أَعْنِي أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ شَاهَدَهَا تَزْنِي كَمَا يَشْهَدُ الشَّاهِدُ عَلَى الزِّنَا ) ، وَأَنْ تَكُونَ دَعْوَى مُطْلَقَةً .
وَإِذَا نُفِيَ الْحَمْلُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْفِيَهُ أَيْضًا نَفْيًا مُطْلَقًا ، أَوْ يَزْعُمَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْهَا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ بَسَائِطَ ، وَسَائِرُ الدَّعَاوِي تَتَرَكَّبُ عَنْ هَذِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَرْمِيَهَا بِالزِّنَا وَيَنْفِيَ الْحَمْلَ ، أَوْ يُثْبِتَ الْحَمْلَ وَيَرْمِيَهَا بِالزِّنَا .
فَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِالْقَذْفِ بِالزِّنَا إِذَا ادَّعَى الرُّؤْيَةَ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ : إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدُ .
489 وَأَمَّا وُجُوبُ اللِّعَانِ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ : الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَغَيْرُهُمْ . وَأَمَّا الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ : فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اللِّعَانُ عِنْدَهُ بِمُجَرَّدِ الْقَذْفِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا إِنَّهُ يَجُوزُ ، وَهِيَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ) . الْآيَةَ . وَلَمْ يَخُصَّ فِي الزِّنَا صِفَةً دُونَ صِفَةٍ ، كَمَا قَالَ فِي إِيجَابِ حَدِّ الْقَذْفِ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ . مِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ : " أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا " ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِيهِ : " فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ بِعَيْنِي وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا جَاءَ بِهِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ : " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ " الْآيَةَ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّعْوَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِبَيِّنَةٍ كَالشَّهَادَةِ . وَفِي هَذَا الْبَابِ فَرْعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَهُوَ إِذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ بَعْدَ اللِّعَانِ ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ : إِحْدَاهُمَا سُقُوطُ الْحَمْلِ عَنْهُ ، وَالْأُخْرَى لُحُوقُهُ بِهِ .
وَاتَّفَقُوا فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الدَّعْوَى الْمُوجِبَةِ اللِّعَانَ بِرُؤْيَةِ الزِّنَا أَنْ تَكُونَ فِي الْعِصْمَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِدَعْوَى الزِّنَا ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا هَلْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِعَانٌ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ : بَيْنَهُمَا لِعَانٌ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْفِيَ وَلَدًا وَلَا حَدَّ ; وَقَالَ مَكْحُولٌ ، وَالْحَكَمُ ، وَقَتَادَةُ : يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ .
وَأَمَّا إِنْ نَفَى الْحَمْلَ : فَإِنَّهُ كَمَا قُلْنَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا وَلَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الِاسْتِبْرَاءِ ، فَقَالَ مَرَّةً : ثَلَاثَ حِيَضٍ ، وَقَالَ مَرَّةً : حَيْضَةً . وَأَمَّا نَفْيُهُ مُطْلَقًا ، فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِذَلِكَ لِعَانٌ . وَخَالَفَهُ فِي هَذَا الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَدَاوُدُ ، وَقَالُوا : لَا مَعْنَى لِهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَحْمِلُ مَعَ رُؤْيَةِ الدَّمِ; وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَفْيُ الْحَمْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَذْفٍ .
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ ، وَهُوَ وَقْتُ نَفْيِ الْحَمْلِ ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ : يَنْفِيهِ وَهِيَ حَامِلٌ ، وَشَرْطُ مَالِكٍ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَنْفِهِ وَهُوَ حَمْلٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِلِعَانٍ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا عَلِمَ الزَّوْجُ بِالْحَمْلِ فَأَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ مِنَ اللِّعَانِ فَلَمْ يُلَاعِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْفِي الْوَلَدَ حَتَّى تَضَعَ .
وَحُجَّةُ مَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ الْآثَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَسٍ ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : " أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حِينَ حَكَمَ بِاللِّعَانِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ : إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَمَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَّقَ عَلَيْهَا " ، قَالُوا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَامِلًا فِي وَقْتِ اللِّعَانِ . وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَنْفُشُ وَيَضْمَحِلُّ ، فَلَا وَجْهَ لِلِّعَانِ إِلَّا عَلَى يَقِينٍ . وَمِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ : أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ عَلَّقَ بِظُهُورِ الْحَمَلِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً : كَالنَّفَقَةِ ، وَالْعِدَّةِ ، وَمَنْعِ الْوَطْءِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قِيَاسُ اللِّعَانِ كَذَلِكَ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُلَاعِنُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْفِ الْحَمْلَ إِلَّا وَقْتَ الْوِلَادَةِ ، وَكَذَلِكَ مَا قَرُبَ مِنَ الْوِلَادَةِ ، وَلَمْ يُوَقِّتْ 490 فِي ذَلِكَ وَقْتًا ، وَوَقَّتَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ ، فَقَالَا : لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ; وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا اللِّعَانَ فِي وَقْتِ الْحَمْلِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَهُ نَفْيَهُ فِي وَقْتِ الْعِصْمَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَفْيِهِ بَعْدَ الطَّلَاقِ ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهَا بِالْفِرَاشِ ، وَذَلِكَ هُوَ أَقْصَى زَمَانُ الْحَمْلِ عِنْدَهُ ، وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ عِنْدَهُ ، أَوْ خَمْسِ سِنِينَ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ حُكْمُ نَفْيِ الْوَلَدِ بَعْدَ الطَّلَاقِ إِذَا لَمْ يَزَلْ مُنْكِرًا لَهُ ، وَبِقَرِيبٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ قَوْمٌ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَ الْحَمْلَ إِلَّا فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ ، وَإِنْ نَفَاهُ فِي غَيْرِ الْعِدَّةِ حَدَّهُ وَأَلْحَقَ بِهِ الْوَلَدَ ، فَالْحُكْمُ يَجِبُ بِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ إِلَى انْقِضَاءِ أَطْوَلِ مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ الظَّاهِرِيَّةَ تَرَى أَنَّ أَقْصَرَ مُدَّةِ الْحَمْلِ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْحُكْمُ هُوَ الْمُعْتَادُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهِيَ التِّسْعَةُ أَشْهُرٍ وَمَا قَارَبَهَا ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ فِي مُدَّةِ الْعِصْمَةِ ، فَمَا زَادَ عَلَى أَقْصَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ وَهِيَ السِّتَّةُ أَشْهُرٍ ( أَعْنِي : أَنْ يُولَدَ الْمَوْلُودُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الدُّخُولِ أَوْ إِمْكَانِهِ ، لَا مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ ) ، وَشَذَّ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَقَالَ : مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الدُّخُولَ غَيْرُ مُمْكِنٍ . حَتَّى أَنَّهُ إِنْ تَزَوَّجَ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ الْأَقْصَى امْرَأَةً بِالْمَشْرِقِ الْأَقْصَى ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِرَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ بِلِعَانٍ ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرِيٌّ مَحْضٌ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عُمُومَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ - الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ " ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ قَدْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ بِالْعَقْدِ ، فَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ ، وَهَذَا شَيْءٌ ضَعِيفٌ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى أَنَّهَا زَنَتْ وَاعْتَرَفَ بِالْحَمْلِ ، فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إِحْدَاهَا أَنَّهُ يُحَدُّ ، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ ، وَلَا يُلَاعِنُ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ . وَالثَّالِثَةُ : أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَيُلَاعِنُ لِيَدْرَأَ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ . وَسَبَبُ الْخِلَافِ : هَلْ يَلْتَفِتُ إِلَى إِثْبَاتِهِ مَعَ مُوجِبِ نَفْيِهِ وَهُوَ دَعْوَاهُ الزِّنَا ؟
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ وَهُوَ : إِذَا أَقَامَ الشُّهُودَ عَلَى الزِّنَا هَلْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَدَاوُدُ : لَا يُلَاعِنُ ، لِأَنَّ اللِّعَانَ إِنَّمَا جُعِلَ عِوَضَ الشُّهُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ " الْآيَةَ . وَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : يُلَاعِنُ ، لِأَنَّ الشُّهُودَ لَا تَأْثِيرَ لَهُمْ فِي دَفْعِ الْفِرَاشِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith