بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 436 · printed p. 392
[ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ]
[ فِي انْتِبَاذِ الْخَلِيطَيْنِ ]
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ( وَهِيَ انْتِبَاذُ الْخَلِيطَيْنِ ) : فَإِنَّ الْجُمْهُورَ قَالُوا بِتَحْرِيمِ الْخَلِيطَيْنِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْبَلَ الِانْتِبَاذَ . وَقَالَ قَوْمٌ : بَلِ الِانْتِبَاذُ مَكْرُوهٌ . وَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ مُبَاحٌ . وَقَالَ قَوْمٌ : كُلُّ خَلِيطَيْنِ فَهُمَا حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِمَّا يَقْبَلَانِ الِانْتِبَاذَ فِيمَا أَحْسَبُ الْآنَ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ : تَرَدُّدُهُمْ فِي هَلِ النَّهْيُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ هُوَ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْحَظْرِ ؟ وَإِذَا قُلْنَا : إِنَّهُ عَلَى الْحَظْرِ ; فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَمْ لَا ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْ يُخْلَطَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ ، وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ ، وَالْبُسْرُ وَالزَّبِيبُ " وَفِي بَعْضِهَا : أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " ۝ لَا تَنْتَبِذُوا الزَّهْوَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا ، وَلَا التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ جَمِيعًا ، وَانْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ " . فَيَخْرُجُ فِي ذَلِكَ بِحَسِبِ التَّأْوِيلِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ : قَوْلٌ بِتَحْرِيمِهِ ، وَقَوْلٌ بِتَحْلِيلِهِ مَعَ الْإِثْمِ فِي الِانْتِبَاذِ ، وَقَوْلٌ بِكَرَاهِيَةِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُبَاحٌ ، فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عُمُومَ الْأَثَرِ بِالِانْتِبَاذِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ .
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ كُلَّ خَلِيطَيْنِ : فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ هُوَ الِاخْتِلَاطُ لَا مَا يَحْدَثُ عَنِ الِاخْتِلَاطِ مِنَ الشِّدَّةِ فِي النَّبِيذِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا تَخَلَّلَتْ مِنْ ذَاتِهَا جَازَ أَكْلُهَا . وَاخْتَلَفُوا إِذَا قُصِدَ تَخْلِيلُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : التَّحْرِيمِ ، وَالْكَرَاهِيَةِ ، وَالْإِبَاحَةِ .
392 وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْأَثَرِ . وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ خَرَّجَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا ، فَقَالَ : " ۝ أَهْرِقْهَا ، قَالَ : أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا ؟ قَالَ : لَا " .
فَمَنْ فَهِمَ مِنَ الْمَنْعِ سَدَّ ذَرِيعَةٍ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ . وَمَنْ فَهِمَ النَّهْيَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ . وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا تَحْرِيمَ أَيْضًا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ بِفَسَادِ الْمَنْهِيِّ .
وَالْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِحَمْلِ الْخَلِّ عَلَى التَّحْرِيمِ : أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُخْتَلِفَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذَّوَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَأَنَّ الْخَمْرَ غَيْرُ ذَاتِ الْخَلِّ ، وَالْخَلُّ بِإِجْمَاعٍ حَلَالٌ ، فَإِذَا انْتَقَلَتْ ذَاتُ الْخَمْرِ إِلَى ذَاتِ الْخَلِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا كَيْفَمَا انْتَقَلَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith