بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
كِتَابُ الذَّبَائِحِ
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِقَوَاعِدِ هَذَا الْكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ :
الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ ، وَهُوَ الْمَذْبُوحُ أَوِ الْمَنْحُورُ .
الْبَابُ الثَّانِي : فِي مَعْرِفَةِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ .
الْبَابُ الثَّالِثُ : فِي مَعْرِفَةِ الْآلَةِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ .
الْبَابُ الرَّابِعُ : فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الذَّكَاةِ . الْبَابُ الْخَامِسُ : فِي مَعْرِفَةِ الذَّابِحِ وَالنَّاحِرِ .
وَالْأُصُولُ هِيَ الْأَرْبَعَةُ ، وَالشُّرُوطُ يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَبْوَابِ، وَالْأَسْهَلُ فِي التَّعْلِيمِ أَنْ يُجْعَلَ بَابًا عَلَى حِدَتِهِ .
361 الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ .
- وَالْحَيَوَانُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِي أَكْلِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ : حَيَوَانٌ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةٍ ، وَحَيَوَانٌ يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ . وَمِنْ هَذِهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ الذَّبْحُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ ذُو الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ وَلَا مَيْئُوسٍ مِنْهُ بِوَقْذٍ أَوْ نَطْحٍ أَوْ تَرَدٍّ أَوِ افْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ مَرَضٍ ، وَأَنَّ الْحَيَوَانَ الْبَحْرِيَّ لَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي لَيْسَ يَدْمَى مِمَّا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِثْلَ الْجَرَادِ وَغَيْرِهِ هَلْ لَهُ ذَكَاةٌ أَمْ لَا ؟ وَفِي الْحَيَوَانِ الْمُدْمَى الَّذِي يَكُونُ تَارَةً فِي الْبَحْرِ ، وَتَارَةً فِي الْبَرِّ مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْنَافِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي آيَةِ ، التَّحْرِيمِ وَفِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِيمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ( أَعْنِي : فِي تَحْلِيلِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا وَسَلْبِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا ) .
فَفِي هَذَا الْبَابِ إِذًا سِتُّ مَسَائِلَ أُصُولٌ :
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى : فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ إِذَا أُدْرِكَتْ حَيَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُحَرَّمِ الْأَكْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْمَرِيضَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي هَلْ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَمْ لَا ؟
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا ؟
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : هَلْ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يَأْوِي فِي الْبَرِّ تَارَةً وَفِي الْبَحْرِ تَارَةً ذَكَاةٌ أَمْ لَا ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
[ فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاءِ فِي الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ إِذَا أُدْرِكَتْ حَيَّهً ]
: أَمَّا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ : فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْخَنْقُ مِنْهَا أَوِ الْوَقْذُ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ لَا يُرْجَى فِيهَا أَنَّ الذَّكَاةَ عَامِلَةٌ فِيهَا ( أَعْنِي : أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا تَعِيشُ ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُصَابَ لَهَا مَقْتَلٌ ) . وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا تَهْلِكُ مِنْ ذَلِكَ بِإِصَابَةِ مَقْتَلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ قَوْمٌ : لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا . وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْوَجْهَانِ ، وَلَكِنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيْئُوسِ مِنْهَا .
وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَيْئُوسَ مِنْهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : مَيْئُوسَةٌ مَشْكُوكٌ فِيهَا ، وَمَيْئُوسَةٌ مَقْطُوعٌ بِمَوْتِهَا ( وَهِيَ الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي الْمَقَاتِلِ قَالَ ) : فَأَمَّا الْمَيْئُوسَةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . وَأَمَّا الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ فَلَا خِلَافَ 362 فِي الْمَذْهَبِ الْمَنْقُولِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ يَتَخَرَّجُ فِيهَا الْجَوَازُ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ) . هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ فَيَخْرُجُ مِنَ الْجِنْسِ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ( وَهُوَ الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ) عَلَى عَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ ، أَمْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، إِذْ كَانَ هَذَا أَيْضًا شَأْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .
فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُتَّصِلٌ قَالَ : الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا .
وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي الْمَرْجُوِّ مِنْهَا قَالَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ سَقَطَ : لَهُ تَأْثِيرٌ فِيهَا فَهُوَ مُتَّصِلٌ .
وَقَدِ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ رَأَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَعْيَانِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) إِنَّمَا هُوَ لَحْمُ الْمَيْتَةِ ، وَكَذَلِكَ لَحْمُ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَسَائِرِهَا ( أَيْ لَحْمُ الْمَيْتَةِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ سِوَى الَّتِي تَمُوتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا ) وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى مَيْتَةً أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَوْ بِالْحَقِيقَةِ .
قَالُوا : فَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقَ التَّحْرِيمِ بِأَعْيَانِ هَذِهِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، وَإِنَّمَا عُلِّقَ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِيهَا ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ " وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ) اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا .
لَكِنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ كَيْفَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَوَاجِبٌ أَنْ تَكُونَ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِيهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ عَلَّقْنَا التَّحْرِيمَ بِهَذِهِ الْأَصْنَافِ فِي الْآيَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجَبَ أَنْ تَدْخُلَ فِي التَّذْكِيَةِ مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ حَيَّةٌ الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ وَغَيْرُهَا ، لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ حَيَّةً مُسَاوِيَةً لِغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَيَوَانِ ( أَعْنِي : أَنَّهَا تَقْبَلُ الْحِلِّيَّةَ مِنْ قِبَلِ التَّذْكِيَةِ الَّتِي الْمَوْتُ مِنْهَا هُوَ سَبَبُ الْحِلِّيَّةِ ) .
وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ فَلَا خَفَاءَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ عُمُومَ التَّحْرِيمِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ تَنَاوُلُ أَعْيَانِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَهُ كَالْحَالِ فِي الْخِنْزِيرِ الَّذِي لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا رَافِعًا لِتَحْرِيمِ أَعْيَانِهَا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى عَمَلِ الذَّكَاةِ فِيهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مَا اعْتَرَضَ بِهِ ذَلِكَ الْمُعْتَرِضُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعًا .
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ وَالْمَشْكُوكِ فِيهَا : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ تَأْثِيرُ الذَّكَاةِ فِي الْمَرْجُوَّةِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَقَاسَ الْمَشْكُوكَةَ عَلَى الْمَرْجُوَّةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ ، وَلَكِنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْمَوْقُوذَةِ بِالْقِيَاسِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الذَّكَاةَ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَعْمَلَ فِي حِينِ يُقْطَعُ أَنَّهَا سَبَبُ الْمَوْتِ ، فَأَمَّا إِذَا شُكَّ هَلْ كَانَ مُوجِبُ الْمَوْتِ الذَّكَاةَ أَوِ الْوَقْذَ أَوِ النَّطْحَ أَوْ سَائِرَهَا فَلَا يَجِبُ أَنْ تَعْمَلَ فِي ذَلِكَ وَهَذِهِ هِيَ حَالُ الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ، وَالذَّكَاةُ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَرْفَعَ الْحَيَاةَ الثَّابِتَةَ لَا الْحَيَاةَ الذَّاهِبَةَ .
363
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِقَوَاعِدِ هَذَا الْكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ :
الْبَابُ الْأَوَّلُ : فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ ، وَهُوَ الْمَذْبُوحُ أَوِ الْمَنْحُورُ .
الْبَابُ الثَّانِي : فِي مَعْرِفَةِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ .
الْبَابُ الثَّالِثُ : فِي مَعْرِفَةِ الْآلَةِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ .
الْبَابُ الرَّابِعُ : فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الذَّكَاةِ . الْبَابُ الْخَامِسُ : فِي مَعْرِفَةِ الذَّابِحِ وَالنَّاحِرِ .
وَالْأُصُولُ هِيَ الْأَرْبَعَةُ ، وَالشُّرُوطُ يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَبْوَابِ، وَالْأَسْهَلُ فِي التَّعْلِيمِ أَنْ يُجْعَلَ بَابًا عَلَى حِدَتِهِ .
361 الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ .
- وَالْحَيَوَانُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِي أَكْلِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ : حَيَوَانٌ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةٍ ، وَحَيَوَانٌ يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ . وَمِنْ هَذِهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ .
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ الذَّبْحُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ ذُو الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ وَلَا مَيْئُوسٍ مِنْهُ بِوَقْذٍ أَوْ نَطْحٍ أَوْ تَرَدٍّ أَوِ افْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ مَرَضٍ ، وَأَنَّ الْحَيَوَانَ الْبَحْرِيَّ لَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي لَيْسَ يَدْمَى مِمَّا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِثْلَ الْجَرَادِ وَغَيْرِهِ هَلْ لَهُ ذَكَاةٌ أَمْ لَا ؟ وَفِي الْحَيَوَانِ الْمُدْمَى الَّذِي يَكُونُ تَارَةً فِي الْبَحْرِ ، وَتَارَةً فِي الْبَرِّ مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْنَافِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي آيَةِ ، التَّحْرِيمِ وَفِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِيمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ( أَعْنِي : فِي تَحْلِيلِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا وَسَلْبِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا ) .
فَفِي هَذَا الْبَابِ إِذًا سِتُّ مَسَائِلَ أُصُولٌ :
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى : فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ إِذَا أُدْرِكَتْ حَيَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُحَرَّمِ الْأَكْلِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْمَرِيضَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي هَلْ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَمْ لَا ؟
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا ؟
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : هَلْ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يَأْوِي فِي الْبَرِّ تَارَةً وَفِي الْبَحْرِ تَارَةً ذَكَاةٌ أَمْ لَا ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
[ فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاءِ فِي الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ إِذَا أُدْرِكَتْ حَيَّهً ]
: أَمَّا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ : فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْخَنْقُ مِنْهَا أَوِ الْوَقْذُ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ لَا يُرْجَى فِيهَا أَنَّ الذَّكَاةَ عَامِلَةٌ فِيهَا ( أَعْنِي : أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا تَعِيشُ ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُصَابَ لَهَا مَقْتَلٌ ) . وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا تَهْلِكُ مِنْ ذَلِكَ بِإِصَابَةِ مَقْتَلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ قَوْمٌ : لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا . وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْوَجْهَانِ ، وَلَكِنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيْئُوسِ مِنْهَا .
وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَيْئُوسَ مِنْهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : مَيْئُوسَةٌ مَشْكُوكٌ فِيهَا ، وَمَيْئُوسَةٌ مَقْطُوعٌ بِمَوْتِهَا ( وَهِيَ الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي الْمَقَاتِلِ قَالَ ) : فَأَمَّا الْمَيْئُوسَةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . وَأَمَّا الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ فَلَا خِلَافَ 362 فِي الْمَذْهَبِ الْمَنْقُولِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ يَتَخَرَّجُ فِيهَا الْجَوَازُ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ) . هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ فَيَخْرُجُ مِنَ الْجِنْسِ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ( وَهُوَ الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ) عَلَى عَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ ، أَمْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، إِذْ كَانَ هَذَا أَيْضًا شَأْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .
فَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُتَّصِلٌ قَالَ : الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا .
وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي الْمَرْجُوِّ مِنْهَا قَالَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ سَقَطَ : لَهُ تَأْثِيرٌ فِيهَا فَهُوَ مُتَّصِلٌ .
وَقَدِ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ رَأَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَعْيَانِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) إِنَّمَا هُوَ لَحْمُ الْمَيْتَةِ ، وَكَذَلِكَ لَحْمُ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَسَائِرِهَا ( أَيْ لَحْمُ الْمَيْتَةِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ سِوَى الَّتِي تَمُوتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا ) وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى مَيْتَةً أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَوْ بِالْحَقِيقَةِ .
قَالُوا : فَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقَ التَّحْرِيمِ بِأَعْيَانِ هَذِهِ وَهِيَ حَيَّةٌ ، وَإِنَّمَا عُلِّقَ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِيهَا ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ " وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ) اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا .
لَكِنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ كَيْفَمَا كَانَ الْأَمْرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَوَاجِبٌ أَنْ تَكُونَ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِيهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ عَلَّقْنَا التَّحْرِيمَ بِهَذِهِ الْأَصْنَافِ فِي الْآيَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجَبَ أَنْ تَدْخُلَ فِي التَّذْكِيَةِ مِنْ جِهَةِ مَا هِيَ حَيَّةٌ الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ وَغَيْرُهَا ، لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ حَيَّةً مُسَاوِيَةً لِغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَيَوَانِ ( أَعْنِي : أَنَّهَا تَقْبَلُ الْحِلِّيَّةَ مِنْ قِبَلِ التَّذْكِيَةِ الَّتِي الْمَوْتُ مِنْهَا هُوَ سَبَبُ الْحِلِّيَّةِ ) .
وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ فَلَا خَفَاءَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ عُمُومَ التَّحْرِيمِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ تَنَاوُلُ أَعْيَانِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَهُ كَالْحَالِ فِي الْخِنْزِيرِ الَّذِي لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا رَافِعًا لِتَحْرِيمِ أَعْيَانِهَا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى عَمَلِ الذَّكَاةِ فِيهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مَا اعْتَرَضَ بِهِ ذَلِكَ الْمُعْتَرِضُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْقَطِعًا .
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ وَالْمَشْكُوكِ فِيهَا : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا جَازَ تَأْثِيرُ الذَّكَاةِ فِي الْمَرْجُوَّةِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَقَاسَ الْمَشْكُوكَةَ عَلَى الْمَرْجُوَّةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ ، وَلَكِنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْمَوْقُوذَةِ بِالْقِيَاسِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الذَّكَاةَ إِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَعْمَلَ فِي حِينِ يُقْطَعُ أَنَّهَا سَبَبُ الْمَوْتِ ، فَأَمَّا إِذَا شُكَّ هَلْ كَانَ مُوجِبُ الْمَوْتِ الذَّكَاةَ أَوِ الْوَقْذَ أَوِ النَّطْحَ أَوْ سَائِرَهَا فَلَا يَجِبُ أَنْ تَعْمَلَ فِي ذَلِكَ وَهَذِهِ هِيَ حَالُ الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ، وَالذَّكَاةُ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَرْفَعَ الْحَيَاةَ الثَّابِتَةَ لَا الْحَيَاةَ الذَّاهِبَةَ .
363
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith