بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 321 · printed p. 289
[ 3 - شُرُوطُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ ]
وَأَمَّا شُرُوطُهُ : فَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ : " ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ مَا صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ ارْتَفَعَ فَوَقَفَ بِجِبَالِهَا دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَوَقَفَ مَعَهُ كُلُّ مَنْ حَضَرَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَيْقَنَ غُرُوبَهَا وَبَانَ لَهُ ذَلِكَ دَفَعَ مِنْهَا إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ " . وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ سُنَّةُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ .
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَفَاضَ مِنْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِوُقُوفِهِ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَقِفْ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ يَقِفْ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ الدِّيلِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " ۝ الْحَجُّ عَرَفَاتٌ ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ " . وَهُوَ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ هَذَا الرَّجُلُ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ ثُمَّ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ; فَقَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَإِنْ دَفَعَ مِنْهَا قَبْلَ الْإِمَامِ وَبَعْدَ الْغَيْبُوبَةِ أَجْزَأَهُ .
وَبِالْجُمْلَةِ : فَشَرْطُ صِحَّةِ الْوُقُوفِ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَقِفَ لَيْلًا . وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ .
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ : حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ قَالَ : " ۝ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِجَمْعٍ فَقُلْتُ لَهُ : هَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ : مَنْ صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ مَعَنَا ، وَوَقَفَ هَذَا الْمَوْقِفَ حَتَّى نُفِيضَ ، أَوْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ " . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهَارًا أَنَّهُ بَعْدَ الزَّوَالِ .
وَمَنِ اشْتَرَطَ اللَّيْلَ احْتَجَّ بِوُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ .
لَكِنْ لِلْجُمْهُورِ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ إِلَى الْمَغِيبِ قَدْ نَبَّأَ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ الْأَفْضَلِ إِذْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ ذَلِكَ .
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ قَالَ : " ۝ عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ ، وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ ، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، وَفِجَاجُ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وَمَبِيتٌ " .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ وَقَفَ مِنْ عَرَفَةَ بِعُرَنَةَ فَقِيلَ : حَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا حَجَّ لَهُ .
وَعُمْدَةُ مَنْ أَبْطَلَ الْحَجَّ : النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ .
وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُبْطِلْهُ : أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِكُلِّ عَرَفَةَ جَائِزٌ إِلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ ، وَقَالُوا : وَلَمْ يَأْتِ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ وَجْهٍ تَلْزَمُ بِهِ الْحُجَّةُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْأَصْلِ .
289 فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي السُّنَنِ الَّتِي فِي يَوْمِ عَرَفَةَ .
وَأَمَّا الْفِعْلُ الَّذِي يَلِي الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَهُوَ النُّهُوضُ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ غَيْبَةِ الشَّمْسِ وَمَا يُفْعَلُ بِهَا ، فَلْنَقُلْ فِيهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith