المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
فَرْعٌ : لَوِ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ ، لَمْ تَسْقُطْ الزَّكَاةُ فِيمَا خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ ، إِلَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ أَوْ عَبْدِهِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ : لَا زَكَاةَ ( وَقَبِيعَةُ السَّيْفُ ) لِقَوْلِ أَنَسٍ : " كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَالْقَبِيعَةُ : مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقَبْضَةِ ، وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيِّ أَعَمُّ ؛ وَهِيَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِهِ " قَالَ هِشَامٌ : كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَلِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ ، أَشْبَهَتِ الْخَاتَمَ ( وَفِي حِلْيَةِ الْمِنْطَقَةِ ) وَهِيَ مَا شَدَدْتَ بِهِ وَسَطَكَ . قَالَهُ الْخَلِيلُ ، وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ : الْحِيَاصَةَ ( رِوَايَتَانِ ) أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يُبَاحُ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ ؛ وَهِيَ كَالْخَاتَمِ ، وَالثَّانِيَةُ : 373 لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ ؛ وَلِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِالتَّخَنُّثِ وَالِانْحِلَالِ ، أَشْبَهَ الطَّوْقَ وَالدُّمْلُجَ ( وَعَلَى قِيَاسِهَا ) حِلْيَةُ ( الْجَوْشَنِ ) ، وَهُوَ الدِّرْعُ ( وَالْخُوذَةُ ) وَهِيَ الْبَيْضَةُ ( وَالْخُفُّ وَالرَّانُ ) وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ مَعْرُوفٌ ( وَالْحَمَائِلُ ) وَاحِدَتُهَا حِمَالَةٌ ، قَالَهُ الْخَلِيلُ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنًى ، فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهَا حُكْمًا ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ ، وَعَلَّلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ ، وَجَزَمَ فِي " الْكَافِي " بِإِبَاحَةِ الْكُلِّ ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي الْحَمَائِلِ بِالتَّحْرِيمِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْخِلَافَ - أَيْضًا - فِي الْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشُعَيْرَةِ السِّكِّينِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : وَتِرْكَاشُ النُّشَّابِ ، وَالْكَلَالِيبُ ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ ، وَلَا يُبَاحُ غَيْرُ ذَلِكَ كَتَحْلِيَةِ الْمَرَاكِبِ ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ كَاللُّجُمِ ، وَعُلْبَةِ الدَّوَاةِ ، وَالْمِقْلَمَةِ ، وَالْمِرْآةِ ، وَالْكِمْرَانِ ، وَالْمُشْطِ ، وَالْمُكْحُلَةِ ، وَالْمِيلِ ، وَالْقِنْدِيلِ ( وَ ) يُبَاحُ لِلرَّجُلِ ( مِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيْفِ ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ وَسَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ ، وَعُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ ، ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ ، وَقَيَّدَهَا بِالْيَسِيرِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ وَزْنُهَا ثَمَانِيَةَ مَثَاقِيلَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ ، وَعَنْهُ : يَحْرُمُ . قَالَ الْأَثْرَمُ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ : يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ ، يَجْعَلُ فِيهِ مِسْمَارًا مَنْ ذَهَبٍ ؛ قَالَ : إِنَّمَا رُخِّصَ فِي الْأَسْنَانِ ( وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَالْأَنْفِ ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ ؛ : " لِأَنَّ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ 374 فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ لَا يَصْدَأُ ، بِخِلَافِ الْفِضَّةِ ( وَمَا رَبَطَ بِهِ أَسْنَانَهُ ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، وَأَبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِيِّ ، وَأَبِي رَافِعٍ ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ ؛ وَهِيَ ضَرُورَةٌ ، فَأُبِيحَ كَالْقَبِيعَةِ بَلْ أَوْلَى ، وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ فِي الْأُنْمُلَةِ كَالسِّنِّ . وَظَاهِرُهُ : يَحْرُمُ عَلَيْهِ يَسِيرُ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا كَالْأُصْبُعِ وَالْخَاتَمِ إِجْمَاعًا ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتَهُ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ إِبَاحَتَهُ ( وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يُبَاحُ يَسِيرُ الذَّهَبِ ) مُطْلَقًا ، لِقَوْلِهِ : نُهِيَ عَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا ، وَقِيلَ : يُبَاحُ فِي سِلَاحٍ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَقِيلَ : كُلُّ مَا أُبِيحَ تَحْلِيَتُهُ بِفِضَّةٍ أُبِيحَ بِذَهَبٍ ، وَكَذَا تَحْلِيَةُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ بِهِ ، وَالصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ كَالْكَثِيرِ لِلْعُمُومِ ، وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ؛ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا يَصْلُحُ مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ ، وَلَا خَرْبَصِيصَةَ " انْتَهَى ؛ وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْحُلِيِّ بِقِدْرِ عَيْنِ الْجَرَادَةِ ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ سَرَفًا ( وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ كُلُّ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ ) كَالطَّوْقِ مِنَ الْحِلَقِ ، وَالْخَلْخَالِ ، وَالسُّوَارِ ، وَالْقُرْطِ فِي الْأُذُنِ ، وَظَاهِرُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ ، قَالَ الْأَصْحَابُ : وَمَا فِي الْمَخَانِقِ ، وَالْمَقَالِدِ مِنْ حَرَائِرَ وَتَعَاوِيذَ ، قَالَ جَمَاعَةٌ : وَالتَّاجُ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : " أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي ، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا " وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّجَمُّلِ وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ 375 كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ بِالذَّهَبِ ، وَالنِّعَالِ الذَّهَبِ ، لَا يُبَاحُ لَهُنَّ لِانْتِفَاءِ التَّجَمُّلِ ، فَلَوِ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ ( قَلَّ أَوْ كَثُرَ ) ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُنَّ التَّحَلِّي مُطْلَقًا ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ ( وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ حَرُمَ ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ ) لِمَا رَوَى أَبُو عَبِيدٍ عَنْ جَابِرٍ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ أَيْضًا ؛ وَلِأَنَّهُ سَرَفٌ وَخُيَلَاءُ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " : إِنْ بَلَغَ أَلْفًا فَهُوَ كَثِيرٌ ، فَيَحْرُمُ لِلسَّرَفِ ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ عَنِ الذَّهَبِ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي أَلْفَ مِثْقَالٍ فَمَا دُونَ ، وَيُعْتَبَرُ مَجْمُوعُهُ لَا مُفْرَدَاتُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : يُبَاحُ الْمُعْتَادُ ، فَإِنْ بَلَغَ الْخَلْخَالُ وَنَحْوُهُ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الْعَادَةِ ، وَتَحَقَّقَ السَّرَفُ ، فَلَمْ يُبَحْ ، وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ لَيْسَ بِصَرِيحٍ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى التَّوَقُّفِ ، وَنَقَلَ الْجَوْزَجَانِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ ، وَإِنْ بَلَغَ أَلْفَ مِثْقَالٍ ، لِأَنَّهُ يُعَارُ وَيُلْبَسُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith