المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثاني
page 540 · printed p. 52 · commentary
( وَلَا تَجِبُ الْقِرَاءَةُ ) أَيْ : قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ ; رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَابِرٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ; لِمَا رَوَى أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ " قَالَ فِي الشَّرْحِ : هَذَا إِسْنَادُهُ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ ; لِأَنَّ فِيهِ لَيْثَ بْنَ أَبِي سَلَيْمٍ ، وَجَابِرًا الْجُعْفِيَّ . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مُرْسَلًا . قَالَ فِي الْأَحْكَامِ : هُوَ الصَّحِيحُ ، وَصَوَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ; وَالْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى مَأْمُومٍ : أَيْ يَحْمِلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ . نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ; كَمَا يَحْمِلُ عَنْهُ سُجُودَ سَهْوٍ وَسُتْرَةً ، وَكَذَا تَشَهُّدَ أَوَّلَ إِذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةِ ، وَسَجْدَةَ تِلَاوَةٍ ، وَدُعَاءَ قُنُوتٍ . قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ : تَجِبُ . ذَكَرَهَا التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ . وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ : لَا بُدَّ لِلْمَأْمُومِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ . ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا : " ۝ إِنِّي أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إِمَامِكُمْ ، لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ 52 مُدَلِّسٌ ، وَقِيلَ : فِي صَلَاةِ السِّرِّ . ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ الْأَعْرَافِ : 204 ] . قَالَ أَحْمَدُ : أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قِرَاءَتُهُ تَكْفِيكَ . وَقَالَ عَلِيٌّ : لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا . رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ . ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ ) الْفَاتِحَةَ ( فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ ) وَلَوْ لِتَنَفُّسٍ ; نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ ، وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٍ بَعْدَ الْإِحْرَامِ ، وَفَرَاغِ الْفَاتِحَةِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ قَدْرَهَا ، وَفَرَاغَ الْقِرَاءَةِ . وَقَالَ الْمَجْدُ : هُمَا سَكْتَتَانِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ ; إِحْدَاهُمَا : تَخْتَصُّ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ لِلِاسْتِفْتَاحِ ، وَالثَّانِيَةُ : عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ كُلِّهَا ; لِيَرُدَّ إِلَيْهِ نَفْسَهُ . ( مَا لَا يَجْهَرُ فِيهِ ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَشْرُوعَةٌ فِيهَا ; وَإِنَّمَا تُرِكَ لِأَجْلِ التَّشْوِيشِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ هُنَا ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ، وَسُورَةً . وَفِي " الشَّرْحِ " : يَقْرَأُ فِي الْجَهْرِ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ بِالْفَاتِحَةِ ، وَفِي السِّرِّ يَقْرَأُ بِهَا وَسُورَةٍ كَالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ . وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : هَلِ الْأَفْضَلُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا أَمْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَعَهُمَا . وَمُقْتَضَى نَصِّ أَحْمَدَ ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ الثَّانِي ، وَفِيهِ شَيْءٌ : فَلَوْ قَرَأَ حَالَ جَهْرِ إِمَامِهِ كُرِهَ ، وَقِيلَ : يُسْتَحَبُّ بِالْفَاتِحَةِ ، وَقِيلَ : يَحْرُمُ ، وَرُوِيَ عَنْ تِسْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ( أَوْ لَا يَسْمَعُهُ لِبُعْدِهِ ) أَيْ : يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ . نَصَّ عَلَيْهِ ; فَإِنْ سَمِعَ قِرَاءَتَهُ ; فَالْمَذْهَبُ يُكْرَهُ ، وَقِيلَ : يُعِيدُ . أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ ; فَإِنْ سَمِعَ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ ، وَلَمْ يَفْهَمْ قِرَاءَتَهُ لَمْ يَقْرَأْ . نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ ، وَعَنْهُ : بَلَى . اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; وَهِيَ أَظْهَرُ . ( فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ 53 لِطَرَشٍ فَعَلَى وَجْهَيْنِ " ، وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " . وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ الْأُطْرُوشِ ، هَلْ يَقْرَأُ ؛ قَالَ : لَا أَدْرِي . فَظَاهِرُهُ التَّوَقُّفُ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بَعِيدًا قَرَأَ ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا ; وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ ، فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يُسْتَحَبُّ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ ، فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِالْإِنْصَاتِ ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَشْغَلْ غَيْرَهُ عَنِ الِاسْتِمَاعِ ، وَيُخَلِّطْ عَلَى مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ . قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ، وَالثَّانِي : يُكْرَهُ . جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشْوِيشِ عَلَى الْمُصَلِّينَ . ( وَهَلْ يَسْتَفْتِحُ وَيَسْتَعِيذُ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا : يُسْتَحَبُّ . قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ سَمَاعَهُ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ قَامَتْ مَقَامَ قِرَاءَتِهِ ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ قِرَاءَةَ إِمَامِهِ ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ، وَالثَّانِيَةُ : يُكْرَهَانِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمَنْجَا أَنَّهَا هِيَ الصَّحِيحَةُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ ; وَهِيَ أَهَمُّ . وَعَنْهُ : يُكْرَهُ التَّعَوُّذُ فَقَطْ . اخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ التَّعَوُّذَ إِنَّمَا شُرِعَ مِنْ أَجْلِ الْقِرَاءَةِ ، فَإِذَا سَقَطَتْ سَقَطَ التَّبَعُ ، بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنُ مِنْ غَيْرِ اشْتِغَالٍ عَنِ الْإِنْصَاتِ ، وَظَاهِرُهُ : أَنَّهُمَا يُسَنَّانِ فِي صَلَاةِ السِّرِّ . نَصَّ عَلَيْهِ .
فَرْعٌ : إِذَا جَهِلَ مَا قَرَأَ بِهِ إِمَامُهُ لَمْ يَضُرَّ ، وَقِيلَ : يُتِمُّهَا وَحْدَهُ ، وَقِيلَ : تَبْطُلُ . نَقَلَ ابْنُ أَصْرَمَ : يُعِيدُ ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَدْرِ هَلْ قَرَأَ الْحَمْدَ أَمْ لَا ، وَلَا مَانِعَ مِنَ السَّمَاعِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : بَلْ لِتَرْكِهِ الْإِنْصَاتَ الْوَاجِبَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith