روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني عشر
page 2174 · printed p. 9
فَصْلٌ
فِي حَدِّ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ ، وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً مُلْزِمَةً .
الْأَوَّلُ الْعِلْمُ بِالْمُدَّعَى بِهِ ، فَإِنْ كَانَ نَقْدًا اشْتُرِطَ ذِكْرُ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَقَدْرِهِ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : وَإِنِ اخْتَلَفَ الصِّحَاحُ وَالْمُكَسَّرَةُ بَيْنَ أَنَّهَا صِحَاحٌ أَوْ مُكَسَّرَةٌ ، وَمُطْلَقُ الدِّينَارِ يَنْصَرِفُ إِلَى الدِّينَارِ الشَّرْعِيِّ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى بَيَانِ وَزْنِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ نَقْدٍ ، نُظِرَ إِنْ كَانَ عَيْنًا وَهِيَ مِمَّا تُضْبَطُ بِالصِّفَةِ ، كَالْحُبُوبِ وَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ ، وَصَفَهَا بِصِفَاتِ السَّلَمِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً كَفَى الضَّبْطُ بِالصِّفَاتِ إِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْقِيمَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَوَّمَةً ، اشْتُرِطَ ذِكْرُ الْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّهَا الْوَاجِبُ عِنْدَ التَّلَفِ .
وَإِنِ ادَّعَى سَيْفًا مُحَلًّى ، اشْتُرِطَ ذِكْرُ قِيمَتِهِ ، وَيُقَوِّمُهُ بِالذَّهَبِ إِنْ كَانَ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ ، وَبِالْفِضَّةِ 9 إِنْ كَانَ مُحَلًّى بِالذَّهَبِ ، فَإِنْ كَانَ مُحَلًّى بِهِمَا ، قَوَّمَهُ بِأَحَدِهِمَا لِلضَّرُورَةِ ، وَفِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَغْشُوشَةِ يَدَّعِي مِائَةَ دِرْهَمٍ مِنْ نَقْدِ كَذَا قِيمَتُهَا كَذَا دِينَارًا . أَوْ دِينَارًا مِنْ نَقْدِ كَذَا قِيمَتُهُ كَذَا دِرْهَمًا .
هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ ، وَكَأَنَّهُ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ الْمَغْشُوشَ مُتَقَوَّمٌ ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِثْلِيًّا ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ التَّعَرُّضُ لِلْقِيمَةِ ، وَفِي الْعَقَارِ يُتَعَرَّضُ لِلنَّاحِيَةِ وَالْبَلْدَةِ ، وَالْمَحَلَّةِ وَالسِّكَّةِ ، وَتُبَيَّنُ الْحُدُودُ ، وَيُسْتَثْنَى مِنِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ صُوَرٌ :
إِحْدَاهَا : إِنَّمَا يُعْتَبَرُ إِذَا طَلَبَ مُعَيَّنًا ، فَأَمَّا مَنْ حَضَرَ لِيُعَيِّنَ ، وَيَفْرِضَ لَهُ الْقَاضِي ، كَالْمُفَوِّضَةِ تَطْلُبُ الْفَرْضَ عَلَى قَوْلِنَا : لَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ ، وَالْوَاهِبُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِعْلَامُ .
الثَّانِيَةُ : قَالَ : أَدِّعِي أَنَّ مُوَرِّثَكَ أَوْصَى لِي بِثَوْبٍ ، أَوْ بِشَيْءٍ تُسْمَعُ الدَّعْوَى ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ ، فَكَذَا دَعْوَاهَا ، وَأَلْحَقَ مُلْحِقُونَ دَعْوَى الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ بِدَعْوَى الْوَصِيَّةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَازَعُ كَلَامُهُ فِيهِ ، وَيَصِحُّ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ عَنِ الْمَجْهُولِ إِنْ صَحَّحْنَا الْإِبْرَاءَ عَنِ الْمَجْهُولِ .
الثَّالِثَةُ : ادَّعَى أَنَّ لَهُ طَرِيقًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ، وَادَّعَى حَقَّ إِجْرَاءِ الْمَاءِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ : الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْلَامِ قَدْرِ الطَّرِيقِ وَالْمَجْرَى ، وَيَكْفِي لِصِحَّةِ الدَّعْوَى تَحْدِيدُ الْأَرْضِ الَّتِي يَدَّعِي فِيهَا الطَّرِيقَ وَالْمَجْرَى ، وَكَذَا لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَيْهَا .
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ : يُشْتَرَطُ إِعْلَامُ قَدْرِ الطَّرِيقِ وَالْمَجْرَى ، وَقَالَ : وَكَذَا لَوْ بَاعَ بَيْتًا مِنْ دَارٍ ، وَسَمَّى لَهُ طَرِيقًا ، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَهُ لَا يَصِحُّ ، قَالَ الْقَاضِي : وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هَذَا الْإِعْلَامُ فِي الدَّعْوَى ، لَكِنْ يُؤْخَذُ عَلَى الشُّهُودِ إِعْلَامُ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ بِالذِّرَعَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَعْلَى شَأْنًا ، فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِقُوَّةِ 10 إِيجَابِ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الدَّعْوَى .
وَلَوْ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي وَرَقَةً ، وَحَرَّرَ فِيهَا دَعْوَاهُ ، وَقَالَ : أَدَّعِي مَا فِيهَا ، وَأَدَّعِي ثَوْبًا بِالصِّفَاتِ الْمَكْتُوبَةِ فِيهَا ، فَفِي الِاكْتِفَاءِ بِهِ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى وَجْهَانِ .
الشَّرْطُ الثَّانِي : كَوْنُهَا مُلْزَمَةٌ ، فَلَوْ قَالَ : وَهَبَ لِي كَذَا أَوْ بَاعَ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ : وَيَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلَيَّ لِأَنَّهُ قَدْ يَهِبُ وَيَبِيعُ ، وَيَنْقُضُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ هَكَذَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ أَنَّهُ يَقُولُ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ : لِي فِي ذِمَّتِهِ كَذَا ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنَ الْأَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ فِي الْحَالِ ، وَكَانَ هَذَا إِذَا قَصَدَ بِالدَّعْوَى تَحْصِيلَ الْمُدَّعَى ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَى دَفْعَ الْمُنَازَعَةِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِوُجُوبِ التَّسْلِيمِ .
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : لَوْ قَالَ هَذِهِ الدَّارُ لِي وَهُوَ يَمْنَعْنِيهَا ، صَحَّتِ الدَّعْوَى ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ : هِيَ فِي يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنَازِعَهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِهِ ، وَإِذَا ادَّعَى وَلَمْ يَقُلْ لِلْقَاضِي : مُرْهُ بِالْخُرُوجِ عَنْ حَقِّي ، أَوْ سَلْهُ جَوَابَ دَعْوَايَ ، فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْقَاضِي ؟ وَجْهَانِ ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : الْأَصَحُّ نَعَمْ ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْغَرَضُ مِنَ الْحُضُورِ وَإِنْشَاءِ الدَّعْوَى ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ : الْأَصَحُّ لَا ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ ، فَلَا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِاقْتِرَاحِهِ كَالْيَمِينِ .
قُلْتُ : الْأَوَّلُ أَقْوَى . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَعَلَى هَذَا الثَّانِي طَلَبُ الْجَوَابِ شَرْطٌ آخَرُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى ، وَسَوَاءٌ شَرَطْنَا هَذَا الِاقْتِرَاحَ ، أَمْ لَمْ نَشْرُطْهُ فَاقْتَرَحَهُ ، فَيُمْكِنُ أَنْ 11 يُقَالَ : يُغْنِي ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ : وَيَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلَيَّ ، وَأَنَّ مَنْ شَرْطَهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الِاقْتِرَاحُ الْمَذْكُورُ .
فَرْعٌ
لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الدَّعْوَى أَنْ يُعْرَفَ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُعَامَلَةٌ ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ طَبَقَاتِ النَّاسِ ، فَتَصِحُّ دَعْوَى دَنِيءٍ عَلَى شَرِيفٍ ، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ : إِنْ شَهِدَتْ قَرَائِنُ الْحَالِ بِكَذِبِ الْمُدَّعِي لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى دَعْوَاهُ ، مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الدَّنِيءُ اسْتِئْجَارَ الْأَمِيرِ أَوِ الْفَقِيهِ لِعَلَفِ الدَّوَابِّ ، أَوْ كَنْسِ بَيْتِهِ ، وَمِثْلُهُ دَعْوَى الْمَعْرُوفِ بِالتَّعَنُّتِ ، وَجَرِّ ذَوِي الْأَقْدَارِ إِلَى الْقُضَاةِ ، وَتَحْلِيفِهِمْ لِيَفْتَدُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ .
فَرْعٌ
ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا ، وَقَامَ ، وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى إِقْرَارِهِ بِشَيْءٍ ، أَوْ قَالَا : نَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مَالًا ، وَلَا نَعْلَمُ قَدْرَهُ ، فَفِي سَمَاعِ شَهَادَتِهِمَا هَكَذَا وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، وَيَرْجِعُ فِي التَّفْسِيرِ إِلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ ، وَأَصَحُّهُمَا : لَا ، وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ شَهِدَا بِغَصْبِ عَبْدٍ ، أَوْ ثَوْبٍ ، وَلَمْ يَصِفَاهُ .
فَرْعٌ
عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ : ادَّعَى دَرَاهِمَ مَجْهُولَةً لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي دَعْوَاهُ ، وَيَقُولُ لَهُ : بَيِّنِ الْأَقَلَّ الَّذِي تَتَحَقَّقُهُ ، وَإِنِ ادَّعَى ثَوْبًا وَلَمْ يَصِفْهُ أَيْضًا ، لَمْ يُصْغَ إِلَيْهِ ، بَلْ لَوْ قَالَ : هُوَ كِرْبَاسٌ وَلَمْ يَصِفْ ، أَمْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ 12 بِالْأَقَلِّ وَهَذَا فِيهِ إِرْشَادٌ وَتَلْقِينٌ ، ثُمَّ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ فِي قَدْرِ الدَّرَاهِمِ مُسْتَقِيمٌ ، لَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْأَقَلِّ مِنْ صِفَةِ ثَوْبٍ عَيَّنَهُ لَا وَجْهَ لَهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith