روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الأول
بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، تَقْدِيمًا فِي وَقْتِ الْأُولَى ، أَوْ تَأْخِيرًا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ . وَلَا يَجُوزُ فِي الْقَصِيرِ عَلَى 396 الْأَظْهَرِ . وَالْأَفْضَلُ لِلسَّائِرِ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى الثَّانِيَةِ ، وَلِلنَّازِلِ فِي وَقْتِهَا تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ . وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَلَا جَمْعُ الصُّبْحِ إِلَى غَيْرِهَا ، وَلَا الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ . وَأَمَّا الْحُجَّاجُ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ ، وَذَلِكَ الْجَمْعُ بِسَبَبِ السَّفَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : بِسَبَبِ النُّسُكِ . فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، فَفِي جَمْعِ الْمَكِّيِّ الْقَوْلَانِ ، لِأَنَّ سَفَرَهُ قَصِيرٌ ، وَلَا يَجْمَعُ الْعَرَفِيُّ بِعَرَفَةَ ، وَلَا الْمُزْدَلِفِيُّ بِمُزْدَلِفَةَ ، لِأَنَّهُ وَطَنُهُ . وَهَلْ يَجْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْبُقْعَةِ الْأُخْرَى ، فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالْمَكِّيِّ . وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي ، جَازَ الْجَمْعُ لِجَمِيعِهِمْ . وَمِنَ الْأَصْحَابِ يَقُولُ : فِي جَمْعِ الْمَكِّيِّ قَوْلَانِ . الْجَدِيدُ : مَنْعُهُ . وَالْقَدِيمُ : جَوَازُهُ . وَعَلَى الْقَدِيمِ فِي الْعَرَفِيِّ وَالْمُزْدَلِفِيِّ وَجْهَانِ . وَالْمَذْهَبُ : مَنْعُ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَحُكْمُ الْجَمْعِ فِي الْبُقْعَتَيْنِ حُكْمُهُ فِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ . وَيَتَخَيَّرُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَالِاخْتِيَارُ : التَّقْدِيمُ بِعَرَفَةَ وَالتَّأْخِيرُ بِمُزْدَلِفَةَ .
فَرْعٌ
إِذَا جَمَعَ الْمُسَافِرُ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، اشْتُرِطَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ . أَحَدُهَا : التَّرْتِيبُ فَيَبْدَأُ بِالْأُولَى . فَلَوْ بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ . وَتَجِبُ إِعَادَتُهَا بَعْدَ الْأُولَى . وَلَوْ بَدَأَ بِالْأُولَى ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ فَبَانَ فَسَادُ الْأُولَى ، فَالثَّانِيَةُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا .
الْأَمْرُ الثَّانِي : نِيَّةُ الْجَمْعِ . وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُشْتَرَطُ . وَيَكْفِي حُصُولُهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى أَوْ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ مَعَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا ، وَلَا يَكْفِي بَعْدَ التَّحَلُّلِ . وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ : أَنَّهَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى ، وَوَجْهٌ : أَنَّهَا تَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا وَلَا 397 تَجُوزُ مَعَ التَّحَلُّلِ ، وَوَجْهٌ : أَنَّهَا تَجُوزُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ . وَهُوَ قَوْلٌ خَرَّجَهَ الْمُزَنِيُّ لِلشَّافِعِيِّ . وَوَجْهٌ آخَرُ لِأَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ : أَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ لَا تُشْتَرَطُ أَصْلًا .
قُلْتُ : قَالَ الدَّارِمِيُّ : لَوْ نَوَى الْجَمْعَ ، ثُمَّ نَوَى تَرْكَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى ، ثُمَّ نَوَى الْجَمْعَ ثَانِيًا ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْأَمْرُ الثَّالِثُ : الْمُوَالَاةُ . وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهَا . وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ : يَجُوزُ الْجَمْعُ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْأُولَى . وَحَكَى عَنْ نَصِّهِ فِي ( الْأُمِّ ) : أَنَّهُ إِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي بَيْتِهِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ، وَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ جَازَ . وَالْمَعْرُوفُ : اشْتِرَاطُ الْمُوَالَاةِ ، فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ وَلَا يَضُرُّ الْيَسِيرُ . قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : حَدَّ أَصْحَابُنَا الْيَسِيرَ بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ . وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ : أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْفَصْلِ إِلَى الْعَادَةِ . وَقَدْ تَقْتَضِي الْعَادَةُ احْتِمَالَ زِيَادَةٍ عَلَى قَدْرِ الْإِقَامَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ ، جَوَّزُوا الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَقَالُوا : لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالطَّلَبِ وَالتَّيَمُّمِ لَكِنْ يُخَفَّفُ الطَّلَبُ . وَمَنَعَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ جَمْعَ الْمُتَيَمِّمِ لِلْفَصْلِ بِالطَّلَبِ . وَمَتَى طَالَ الْفَصْلُ امْتَنَعَ ضَمُّ الثَّانِيَةِ إِلَى الْأُولَى ، وَيَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهَا إِلَى وَقْتِهَا ، سَوَاءً طَالَ بِعُذْرٍ كَالسَّهْوِ وَالْإِغْمَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ . وَلَوْ جَمَعَ فَتَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنَ الْأُولَى ، بَطَلَتَا جَمِيعًا ، وَلَهُ إِعَادَتُهُمَا جَامِعًا . وَلَوْ تَذَكَّرَ تَرْكَهُ مِنَ الثَّانِيَةِ ، فَإِنْ قَرُبَ الْفَصْلُ تَدَارَكَ وَمَضَتِ الصَّلَاتَانِ عَلَى الصِّحَّةِ . وَإِنْ طَالَ بَطَلَتِ الثَّانِيَةُ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ لِطُولِ الْفَصْلِ بِالثَّانِيَةِ الْبَاطِلَةِ ، فَيُعِيدُهَا فِي وَقْتِهَا . فَلَوْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ تَرَكَ مِنَ الْأُولَى أَمْ مِنَ الثَّانِيَةِ لَزِمَهُ إِعَادَتُهُمَا لِاحْتِمَالِ التَّرْكِ مِنَ الْأُولَى . وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ : يَجُوزُ كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ جُمُعَتَانِ فِي بَلَدٍ ، وَلَمْ يَعْلَمِ السَّابِقَةَ مِنْهُمَا ، يَجُوزُ إِعَادَةُ الْجُمُعَةِ فِي قَوْلٍ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، فَلَوْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُشْتَرَطِ التَّرْتِيبُ وَلَا الْمُوَالَاةُ وَلَا نِيَّةُ الْجَمْعِ حَالَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَتُشْتَرَطُ 398 الثَّلَاثَةُ عَلَى الثَّانِي ، فَعَلَى الِاشْتِرَاطِ لَوْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا صَارَتِ الْأُولَى قَضَاءً ، فَلَا يَجُوزُ قَصْرُهَا إِنْ لَمْ نُجَوِّزْ قَصْرَ الْقَضَاءِ . قَالَ الْأَصْحَابُ : وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ فِي وَقْتِ الْأُولَى كَوْنَ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ . فَلَوْ أَخَّرَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ ، أَوْ ضَاقَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا تَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَدَاءً عَصَى وَصَارَتِ الْأُولَى قَضَاءً .
فَرْعٌ
إِذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا ، فَصَارَ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى أَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَوْ وَصُولِ السَّفِينَةِ دَارَ الْإِقَامَةِ - بَطَلَ الْجَمْعُ ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا ، وَأَمَّا الْأُولَى فَصَحِيحَةٌ . فَلَوْ صَارَ مُقِيمًا فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَبْطُلُ الْجَمْعُ ، كَمَا يَمْتَنِعُ الْقَصْرُ بِالْإِقَامَةِ فِي أَثْنَائِهَا . فَعَلَى هَذَا ، هَلْ تَكُونُ الثَّانِيَةُ نَفْلًا أَمْ تَبْطُلُ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ كَنَظَائِرِهِ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ صِيَانَةً لَهَا عَنِ الْبُطْلَانِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ ، بِخِلَافِ الْقَصْرِ ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ لَا يُبْطِلُ فَرْضِيَّةَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ . أَمَّا إِذَا صَارَ مُقِيمًا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الثَّانِيَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا لَا تُؤَثِّرُ فَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ . الْأَصَحُّ : لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ ، كَمَا لَوْ قَصَرَ ثُمَّ أَقَامَ . ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ ( التَّهْذِيبِ ) وَآخَرُونَ : الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ ، إِمَّا فِي وَقْتِ الْأُولَى ، وَإِمَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ مُضِيِّ إِمْكَانِ فِعْلِهَا . فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إِمْكَانِ فِعْلِهَا لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا بِلَا خِلَافٍ . وَصَرَّحَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ مَهْمَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْءٌ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا . فَلَوْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَصَارَ مُقِيمًا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا لَمْ يَضُرَّ . وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْفَرَاغِ صَارَتِ الْأُولَى قَضَاءً .
يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، تَقْدِيمًا فِي وَقْتِ الْأُولَى ، أَوْ تَأْخِيرًا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ . وَلَا يَجُوزُ فِي الْقَصِيرِ عَلَى 396 الْأَظْهَرِ . وَالْأَفْضَلُ لِلسَّائِرِ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَنْ يُؤَخِّرَهَا إِلَى الثَّانِيَةِ ، وَلِلنَّازِلِ فِي وَقْتِهَا تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ . وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَلَا جَمْعُ الصُّبْحِ إِلَى غَيْرِهَا ، وَلَا الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ . وَأَمَّا الْحُجَّاجُ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ ، وَذَلِكَ الْجَمْعُ بِسَبَبِ السَّفَرِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : بِسَبَبِ النُّسُكِ . فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ ، فَفِي جَمْعِ الْمَكِّيِّ الْقَوْلَانِ ، لِأَنَّ سَفَرَهُ قَصِيرٌ ، وَلَا يَجْمَعُ الْعَرَفِيُّ بِعَرَفَةَ ، وَلَا الْمُزْدَلِفِيُّ بِمُزْدَلِفَةَ ، لِأَنَّهُ وَطَنُهُ . وَهَلْ يَجْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْبُقْعَةِ الْأُخْرَى ، فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالْمَكِّيِّ . وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي ، جَازَ الْجَمْعُ لِجَمِيعِهِمْ . وَمِنَ الْأَصْحَابِ يَقُولُ : فِي جَمْعِ الْمَكِّيِّ قَوْلَانِ . الْجَدِيدُ : مَنْعُهُ . وَالْقَدِيمُ : جَوَازُهُ . وَعَلَى الْقَدِيمِ فِي الْعَرَفِيِّ وَالْمُزْدَلِفِيِّ وَجْهَانِ . وَالْمَذْهَبُ : مَنْعُ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَحُكْمُ الْجَمْعِ فِي الْبُقْعَتَيْنِ حُكْمُهُ فِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ . وَيَتَخَيَّرُ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، وَالِاخْتِيَارُ : التَّقْدِيمُ بِعَرَفَةَ وَالتَّأْخِيرُ بِمُزْدَلِفَةَ .
فَرْعٌ
إِذَا جَمَعَ الْمُسَافِرُ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، اشْتُرِطَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ . أَحَدُهَا : التَّرْتِيبُ فَيَبْدَأُ بِالْأُولَى . فَلَوْ بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ . وَتَجِبُ إِعَادَتُهَا بَعْدَ الْأُولَى . وَلَوْ بَدَأَ بِالْأُولَى ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ فَبَانَ فَسَادُ الْأُولَى ، فَالثَّانِيَةُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا .
الْأَمْرُ الثَّانِي : نِيَّةُ الْجَمْعِ . وَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُشْتَرَطُ . وَيَكْفِي حُصُولُهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى أَوْ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ مَعَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا ، وَلَا يَكْفِي بَعْدَ التَّحَلُّلِ . وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ : أَنَّهَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْأُولَى ، وَوَجْهٌ : أَنَّهَا تَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا وَلَا 397 تَجُوزُ مَعَ التَّحَلُّلِ ، وَوَجْهٌ : أَنَّهَا تَجُوزُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالثَّانِيَةِ . وَهُوَ قَوْلٌ خَرَّجَهَ الْمُزَنِيُّ لِلشَّافِعِيِّ . وَوَجْهٌ آخَرُ لِأَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ : أَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ لَا تُشْتَرَطُ أَصْلًا .
قُلْتُ : قَالَ الدَّارِمِيُّ : لَوْ نَوَى الْجَمْعَ ، ثُمَّ نَوَى تَرْكَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى ، ثُمَّ نَوَى الْجَمْعَ ثَانِيًا ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْأَمْرُ الثَّالِثُ : الْمُوَالَاةُ . وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهَا . وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ : يَجُوزُ الْجَمْعُ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْأُولَى . وَحَكَى عَنْ نَصِّهِ فِي ( الْأُمِّ ) : أَنَّهُ إِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي بَيْتِهِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ، وَأَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ جَازَ . وَالْمَعْرُوفُ : اشْتِرَاطُ الْمُوَالَاةِ ، فَلَا يَجُوزُ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ وَلَا يَضُرُّ الْيَسِيرُ . قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ : حَدَّ أَصْحَابُنَا الْيَسِيرَ بِقَدْرِ الْإِقَامَةِ . وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ : أَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْفَصْلِ إِلَى الْعَادَةِ . وَقَدْ تَقْتَضِي الْعَادَةُ احْتِمَالَ زِيَادَةٍ عَلَى قَدْرِ الْإِقَامَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ ، جَوَّزُوا الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ ، وَقَالُوا : لَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالطَّلَبِ وَالتَّيَمُّمِ لَكِنْ يُخَفَّفُ الطَّلَبُ . وَمَنَعَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ جَمْعَ الْمُتَيَمِّمِ لِلْفَصْلِ بِالطَّلَبِ . وَمَتَى طَالَ الْفَصْلُ امْتَنَعَ ضَمُّ الثَّانِيَةِ إِلَى الْأُولَى ، وَيَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُهَا إِلَى وَقْتِهَا ، سَوَاءً طَالَ بِعُذْرٍ كَالسَّهْوِ وَالْإِغْمَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ . وَلَوْ جَمَعَ فَتَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنَ الْأُولَى ، بَطَلَتَا جَمِيعًا ، وَلَهُ إِعَادَتُهُمَا جَامِعًا . وَلَوْ تَذَكَّرَ تَرْكَهُ مِنَ الثَّانِيَةِ ، فَإِنْ قَرُبَ الْفَصْلُ تَدَارَكَ وَمَضَتِ الصَّلَاتَانِ عَلَى الصِّحَّةِ . وَإِنْ طَالَ بَطَلَتِ الثَّانِيَةُ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ لِطُولِ الْفَصْلِ بِالثَّانِيَةِ الْبَاطِلَةِ ، فَيُعِيدُهَا فِي وَقْتِهَا . فَلَوْ لَمْ يَدْرِ أَنَّهُ تَرَكَ مِنَ الْأُولَى أَمْ مِنَ الثَّانِيَةِ لَزِمَهُ إِعَادَتُهُمَا لِاحْتِمَالِ التَّرْكِ مِنَ الْأُولَى . وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ : يَجُوزُ كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ جُمُعَتَانِ فِي بَلَدٍ ، وَلَمْ يَعْلَمِ السَّابِقَةَ مِنْهُمَا ، يَجُوزُ إِعَادَةُ الْجُمُعَةِ فِي قَوْلٍ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَمَعَ فِي وَقْتِ الْأُولَى ، فَلَوْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُشْتَرَطِ التَّرْتِيبُ وَلَا الْمُوَالَاةُ وَلَا نِيَّةُ الْجَمْعِ حَالَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَتُشْتَرَطُ 398 الثَّلَاثَةُ عَلَى الثَّانِي ، فَعَلَى الِاشْتِرَاطِ لَوْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهَا صَارَتِ الْأُولَى قَضَاءً ، فَلَا يَجُوزُ قَصْرُهَا إِنْ لَمْ نُجَوِّزْ قَصْرَ الْقَضَاءِ . قَالَ الْأَصْحَابُ : وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ فِي وَقْتِ الْأُولَى كَوْنَ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ . فَلَوْ أَخَّرَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ ، أَوْ ضَاقَ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ مَا تَكُونُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَدَاءً عَصَى وَصَارَتِ الْأُولَى قَضَاءً .
فَرْعٌ
إِذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا ، فَصَارَ فِي أَثْنَاءِ الْأُولَى أَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّانِيَةِ مُقِيمًا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَوْ وَصُولِ السَّفِينَةِ دَارَ الْإِقَامَةِ - بَطَلَ الْجَمْعُ ، فَيَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا ، وَأَمَّا الْأُولَى فَصَحِيحَةٌ . فَلَوْ صَارَ مُقِيمًا فِي أَثْنَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَوَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَبْطُلُ الْجَمْعُ ، كَمَا يَمْتَنِعُ الْقَصْرُ بِالْإِقَامَةِ فِي أَثْنَائِهَا . فَعَلَى هَذَا ، هَلْ تَكُونُ الثَّانِيَةُ نَفْلًا أَمْ تَبْطُلُ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ كَنَظَائِرِهِ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ صِيَانَةً لَهَا عَنِ الْبُطْلَانِ بَعْدَ الِانْعِقَادِ ، بِخِلَافِ الْقَصْرِ ، فَإِنَّ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ لَا يُبْطِلُ فَرْضِيَّةَ مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ . أَمَّا إِذَا صَارَ مُقِيمًا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الثَّانِيَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا لَا تُؤَثِّرُ فَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ . الْأَصَحُّ : لَا يَبْطُلُ الْجَمْعُ ، كَمَا لَوْ قَصَرَ ثُمَّ أَقَامَ . ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ ( التَّهْذِيبِ ) وَآخَرُونَ : الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ ، إِمَّا فِي وَقْتِ الْأُولَى ، وَإِمَّا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ مُضِيِّ إِمْكَانِ فِعْلِهَا . فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إِمْكَانِ فِعْلِهَا لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا بِلَا خِلَافٍ . وَصَرَّحَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ مَهْمَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الثَّانِيَةِ شَيْءٌ . هَذَا كُلُّهُ إِذَا جَمَعَ تَقْدِيمًا . فَلَوْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ فَصَارَ مُقِيمًا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُمَا لَمْ يَضُرَّ . وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْفَرَاغِ صَارَتِ الْأُولَى قَضَاءً .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith