روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الخامس
الصفحة 1037 · ص. المطبوع 199
فَصْلٌ
مِمَّا تُسْتَأْجَرُ لَهُ الْأَرْضُ ، الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ وَالزِّرَاعَةُ . فَإِذَا قَالَ : أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْبِنَاءَ وَلَا غَيْرَهُ ، وَكَانَتْ صَالِحَةً لِلْجَمِيعِ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ ، لِأَنَّ مَنَافِعَ هَذِهِ الْجِهَاتِ مُخْتَلِفَةٌ ، وَضَرَرَهَا مُخْتَلِفٌ ، فَوَجَبَ التَّعْيِينُ ، كَمَا لَوْ أَجَّرَ بَهِيمَةً ، لَا يَجُوزُ الْإِطْلَاقُ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، وَجَعَلُوهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، حَتَّى احْتَجُّوا بِهِ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي إِعَارَةِ الْأَرْضِ مُطْلَقًا ، لَكِنْ قَدَّمْنَا فِي مَسْأَلَةِ إِجَارَةِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا ، تَصْرِيحَهُمْ بِجَوَازِ الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ إِجَارَتُهَا مُطْلَقًا ، عَلَى وَجْهَيْنِ ، 199 كَإِعَارَتِهَا . وَالْأَصَحُّ : الْمَنْعُ فِيهِمَا . وَمَا ذَكَرُوهُ فِي إِجَارَةِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا ، مُفَرَّعٌ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ أَوْ مُئَوَّلٌ .
قُلْتُ : الْمَذْهَبُ ، مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ، فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ هُنَا مُطْلَقًا ، وَتَصِحُّ الْعَارِيَةُ عَلَى وَجْهٍ ، لِأَنَّ أَمْرَهَا عَلَى التَّوْسِعَةِ وَالْإِرْفَاقِ ، فَاحْتُمِلَ فِيهَا هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْجَهَالَةِ كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ ، فَإِنَّهَا عَقْدُ مُغَابَنَةٍ ، فَهَذَا عُمْدَةُ الْأَصْحَابِ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ إِجَارَةِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَاءَ لَهَا ، [ فَمُئَوَّلَةٌ ] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
أَجَّرَ بَيْتًا أَوْ دَارًا ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ السُّكْنَى ، لِأَنَّ الدَّارَ لَا تُسْتَأْجَرُ إِلَّا لِلسُّكْنَى وَوَضْعِ الْمَتَاعِ فِيهَا ، وَلَيْسَ ضَرَرُهُمَا بِمُخْتَلِفٍ ، كَذَا ذَكَرُوهُ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ فَيُقَالُ : قَدْ تُسْتَأْجَرُ أَيْضًا لِيَتَّخِذَهَا مَسْجِدًا ، وَلِعَمَلِ الْحَدَّادِينَ وَالْقَصَّارِينَ ، وَلِطَرْحِ الزِّبْلِ فِيهَا ، وَهِيَ أَكْثَرُ ضَرَرًا ، فَمَا جَعَلُوهُ مُبْطِلًا فِي الْأَرْضِ مَوْجُودٌ هُنَا . فَإِنْ قِيلَ : يَنْزِلُ فِي الدَّارِ عَلَى أَدْنَى وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ وَهُوَ السُّكْنَى وَوَضْعُ الْمَتَاعِ ، لَزِمَ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَرْضِ مِثْلُهُ وَيَنْزِلُ عَلَى الزِّرَاعَةِ ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْأَشْكَالِ ، أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّارِ بَيَانُ أَنَّهُ يُسْتَأْجَرُ لِلسُّكْنَى أَوْ غَيْرِهَا ، وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُ شَارِحِي " الْمِفْتَاحِ " .
فَرْعٌ
قَالَ : أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ لِتَنْتَفِعَ بِهَا بِمَا شِئْتَ ، صَحَّتِ الْإِجَارَةُ ، وَلَهُ أَنْ 200 يَصْنَعَ مَا شَاءَ ، لِرِضَاهُ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ ، وَالْغَزَالِيُّ . وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَجْهًا بِالْمَنْعِ ، كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ . وَلَوْ قَالَ : أَجَّرْتُكَهَا لِلزِّرَاعَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَزْرَعُ ، أَوْ لِلْبِنَاءِ أَوْ لِلْغِرَاسِ وَأَطْلَقَ ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَبِالْمَنْعِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ النَّصِّ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " . وَمَنْ جَوَّزَ قَالَ : يَزْرَعُ مَا شَاءَ ، لِلْإِطْلَاقِ . وَكَانَ يَحْتَمِلُ التَّنْزِيلَ عَلَى الْأَقَلِّ . وَلَوْ قَالَ : أَجَّرْتُكَهَا لِتَزْرَعَ مَا شِئْتَ ، صَحَّتِ الْإِجَارَةُ ، وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ ، نَصَّ عَلَيْهِ . وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَجْهٌ : أَنَّهَا فَاسِدَةٌ كَبَيْعِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ . وَلَوْ قَالَ : أَجَّرْتُكَهَا لِتَزْرَعَ أَوْ تَغْرِسَ ، لَمْ يَصِحَّ . وَلَوْ قَالَ : إِنْ شِئْتَ فَازْرَعْهَا ، وَإِنْ شِئْتَ فَاغْرِسْهَا ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَيُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ . وَلَوْ قَالَ : أَجَّرْتُكَهَا فَازْرَعْهَا وَاغْرِسْهَا ، أَوْ لِتَزْرَعَهَا وَتَغْرِسَهَا ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْقَدْرَ ، فَوَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ : يَصِحُّ وَيَنْزِلُ عَلَى النِّصْفِ . وَعَلَى هَذَا ، فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْجَمِيعَ ، لِجَوَازِ الْعُدُولِ مِنَ الْغِرَاسِ إِلَى الزَّرْعِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَغْرِسَ الْجَمِيعَ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا يَصِحُّ ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَابْنُ سُرَيْجٍ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ ، لِعَدَمِ الْبَيَانِ ، بَلْ قَالَ الْقَفَّالُ : لَوْ قَالَ : ازْرَعِ النِّصْفَ وَاغْرِسِ النِّصْفَ ، لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنَ الْمَغْرُوسَ وَالْمَزْرُوعَ ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ : بِعْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ وَالْآخَرَ بِخَمْسِمِائَةٍ .
فَرْعٌ
يُشْتَرَطُ فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ ، بَيَانُ مَوْضِعِهِ وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ ، وَفِي بَيَانِ قَدْرِ ارْتِفَاعِهِ ، وَجْهَانِ سَبَقَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ . أَصَحُّهُمَا : لَا يُشْتَرَطُ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَأْجَرَ سَقْفًا لِلْبِنَاءِ . النَّوْعُ الثَّالِثُ : الدَّوَابُّ ، وَتُسْتَأْجَرُ لِأَغْرَاضٍ . مِنْهَا : الرُّكُوبُ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ . إِحْدَاهَا : يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُؤَجِّرُ الرَّاكِبَ ، وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْمُشَاهَدَةُ ، كَذَا 201 قَالَهُ الْجُمْهُورُ . وَالْأَصَحُّ : أَنَّ الْوَصْفَ التَّامَّ يَكْفِي عَنْهَا . ثُمَّ قِيلَ : يَصِفُهُ بِالْوَزْنِ . وَقِيلَ : بِالضَّخَامَةِ وَالنَّحَافَةِ لِيَعْرِفَ وَزْنَهُ تَخْمِينًا . الثَّانِيَةُ : إِنْ كَانَ الرَّاكِبُ مُجَرَّدًا لَيْسَ مَعَهُ مَا يَرْكَبُ عَلَيْهِ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ مَا يَرْكَبُ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ الْمُؤَجِّرَ يُرْكِبُهُ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ سَرْجٍ وَإِكَافٍ وَزَامِلَةٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالدَّابَّةِ .
وَإِنْ كَانَ يَرْكَبُ عَلَى رَحْلٍ لَهُ ، أَوْ فَوْقَ زَامِلَةٍ ، أَوْ فِي مَحْمَلٍ ، أَوْ فِي عَمَّارِيَّةٍ ، أَوْ أَرَادَ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ الرُّكُوبَ عَلَى سَرْجٍ أَوْ إِكَافٍ ، وَجَبَ ذِكْرُهُ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَ الْمُؤَجِّرُ هَذِهِ الْآلَاتِ . فَإِنْ شَاهَدَهَا ، كَفَى ، وَإِلَّا ، فَإِنْ كَانَتْ سُرُوجُهُمْ وَمُحَامِلُهُمْ وَمَا فِي مَعْنَاهَا عَلَى قَدْرٍ وَتَقْطِيعٍ : لَا يَتَفَاحَشُ فِيهِ التَّفَاوُتُ ، كَفَى الْإِطْلَاقُ ، وَحُمِلَ عَلَى مَعْهُودِهِمْ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا مُطَّرِدًا ، اشْتُرِطَ ذِكْرُ وَزْنِ السَّرْجِ وَالْإِكَافِ وَالزَّامِلَةِ وَوَصْفِهَا . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ . وَقَالَ الْإِمَامُ : لَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنَ الْأَصْحَابِ لِاشْتِرَاطِ ذِكْرِ الْوَزْنِ فِي السَّرْجِ وَالْإِكَافِ ، لِأَنَّهُ لَا يَكْثُرُ فِيهِمَا التَّفَاوُتُ . وَأَمَّا الْمَحْمَلُ أَوِ الْعَمَّارِيَّةُ ، فَفِيهِمَا أَوْجُهٌ . أَصَحُّهَا : أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِمَا الْمُشَاهَدَةُ ، أَوِ الْوَصْفُ مَعَ الْوَزْنِ لِإِفَادَتِهِمَا التَّخْمِينَ . وَالثَّانِي : يَكْفِي الْوَزْنُ . أَوِ الصِّفَةُ وَالثَّالِثُ : لَا بُدَّ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ . وَالرَّابِعُ : إِنْ كَانَتْ مَحَامِلَ خِفَافًا كَالْبَغْدَادِيَّةِ ، كَفَى الْوَصْفُ ، لِتَقَارُبِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ ثِقَالًا كَالْخَرَسَانِيَّةِ ، اشْتُرِطَتِ الْمُشَاهَدَةُ ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : تُمْتَحَنُ الزَّامِلَةُ بِالْيَدِ لِتُعْرَفَ خِفَّتُهَا وَثِقَلُهَا ، بِخِلَافِ الرَّاكِبِ لَا يُمْتَحَنُ بَعْدَ الْمُشَاهَدَةِ .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَحْمَلُ وَالْعُمَّارِيَّةُ فِي ذَلِكَ كَالزَّامِلَةِ .
فَرْعٌ
لَا بُدَّ فِي الْمَحْمَلِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْوِطَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي يُفْرَشُ فِيهِ لِيُجْلَسَ عَلَيْهِ ، وَيَنْبَغِيَ أَنْ يُعَرَفَ بِالرُّؤْيَةِ أَوِ الْوَصْفِ ، وَالْغِطَاءُ الَّذِي يُسْتَظَلُّ بِهِ وَيُتَوَقَّى مِنَ الْمَطَرِ ، قَدْ يَكُونُ 202 وَقَدْ لَا يَكُونُ ، فَيُحْتَاجُ إِلَى شَرْطِهِ . وَإِذَا شَرَطَهُ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ : يَكْفِي إِطْلَاقُهُ ، لِتَقَارُبِ تَفَاوُتِهِ ، وَيُغَطِّيهِ بِجِلْدٍ أَوْ كِسَاءٍ أَوْ لِبْدٍ .
وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ وَالْمُتَوَلِّي : يُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ أَوْ وَصْفُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ كَالْوِطَاءِ . لَكِنْ إِنْ كَانَ فِيهِ عُرْفٌ مُطَّرِدٌ ، كَفَى الْإِطْلَاقُ ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْمَحْمَلِ ظَرْفٌ مِنْ لُبُودٍ ، أَوْ أَدْمٍ ، فَهُوَ كَالْغِطَاءِ .
الثَّالِثَةُ : إِذَا اسْتَأْجَرَ لِلرُّكُوبِ ، وَشَرَطَ حَمْلَ الْمَعَالِيقِ وَهِيَ السُّفْرَةُ ، وَالْإِدَاوَةُ ، وَالْقُدُورُ ، وَالْقُمْقُمَةُ ، فَإِنْ أَرَاهَا الْمُؤَجِّرُ ، أَوْ وَضَعَهَا لَهُ وَذَكَرَ وَزْنَهَا ، صَحَّ ، وَإِلَّا ، فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ ، وَمَنْ صَحَّحَ ، حَمَلَهُ عَلَى الْوَسَطِ الْمُعْتَادِ .
وَإِنْ لَمْ يَشْرُطِ الْمَعَالِيقَ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ حَمْلُهَا عَلَى الْأَصَحِّ . وَقِيلَ : هُوَ كَشَرْطِهَا مُطْلَقًا . وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي السُّفْرَةِ وَالْإِدَاوَةِ الْخَالِيَتَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا طَعَامٌ وَمَاءٌ ، فَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الرَّابِعَةُ : إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِ الدَّابَّةِ ، اشْتَرَطَ تَعْيِينَهَا ، وَفِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهَا الْخِلَافُ فِي شِرَاءِ الْغَائِبِ . وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ ، اشْتَرَطَ ذِكْرَ جِنْسِهَا ، أَهِيَ مِنَ الْإِبِلِ ، أَمِ الْخَيْلِ ، أَمِ الْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ ؟ وَنَوْعُهَا ، كَالْبَخَاتِيِّ وَالْعِرَابِ .
وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ عَلَى الْأَصَحِّ ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ ، فَإِنَّ الْأُنْثَى أَسْهَلُ سَيْرًا ، وَالذَّكَرَ أَقْوَى . وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ : مُهَمْلِجٌ أَوْ بَحْرٌ أَوْ قَطُوفٌ ، عَلَى الْأَصَحِّ ، لِأَنَّ مُعْظَمَ الْغَرَضِ يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ السَّيْرِ .
الْخَامِسَةُ : إِذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِلرُّكُوبِ ، فَلْيُبَيِّنَا قَدْرَ السَّيْرِ كُلَّ يَوْمٍ ، فَإِذَا بَيَّنَا ، حُمِلَا عَلَى الْمَشْرُوطِ ، فَإِنْ زَادَا فِي يَوْمٍ أَوْ نَقَصَا ، فَلَا جُبْرَانَ ، بَلْ يَسِيرَانِ بَعْدَهُ عَلَى الشَّرْطِ . وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا مُجَاوَزَةَ الْمَشْرُوطِ ، أَوِ النُّزُولَ دُونَهُ لِخَوْفٍ أَوْ غَصْبٍ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَهُ صَاحِبُهُ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ . وَكَانَ يُجَوِّزُ أَنْ يُجْعَلَ الْخَوْفُ عُذْرًا لِمَنْ يَحْتَاطُ ، وَيُلْزِمُ الْآخَرَ مُوَافَقَتَهُ .
203 قُلْتُ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ ، ضَعِيفٌ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ : إِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حُصُولُ ضَرَرٍ بِسَبَبِ الْخَوْفِ ، كَانَ عُذْرًا ، وَإِلَّا ، فَلَا . وَلَا يَتَّجِهُ غَيْرُ هَذَا التَّفْصِيلِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا قَدْرَ السَّيْرِ ، وَأَطْلَقَا الْعَقْدَ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ مَنَازِلُ مَضْبُوطَةٌ ، صَحَّ الْعَقْدُ وَحُمِلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنَازِلُ ، أَوْ كَانَتْ وَالْعَادَةُ مُخْتَلِفَةٌ ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ حَتَّى يُبَيَّنَا أَوْ يُقَدِّرَ بِالزَّمَانِ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : إِذَا اكْتَرَى إِلَى مَكَّةَ فِي زَمَانِنَا ، اشْتَرَطَ ذِكْرَ الْمَنَازِلِ ، لِأَنَّ السَّيْرَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ شَدِيدٌ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : إِنْ كَانَ الطَّرِيقُ مُخَوِّفًا ، لَمْ يَجُزْ تَقْدِيرُ السَّيْرِ فِيهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالِاخْتِيَارِ ، وَتَابَعَهُ الرُّوْيَانِيُّ عَلَى هَذَا . وَمُقْتَضَاهُ ، امْتِنَاعُ التَّقْدِيرِ بِالزَّمَانِ أَيْضًا ، وَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِئْجَارُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَنَازِلُ مَضْبُوطَةٌ إِذَا كَانَ مُخَوِّفًا .
فَرْعٌ
الْقَوْلُ فِي وَقْتِ السَّيْرِ ، أَهْوَ اللَّيْلُ ، أَمِ النَّهَارُ ؟ وَفِي مَوْضِعِ النُّزُولِ فِي الْمَرْحَلَةِ ، أَهْوَ نَفْسُ الْقَرْيَةِ ، أَمِ الصَّحْرَاءُ ؟ وَفِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَسْلُكُهُ إِذَا كَانَ لِلْمَقْصِدِ طَرِيقَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَدْرِ السَّيْرِ فِي أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمَشْرُوطِ أَوِ الْمَعْهُودِ . وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْمَعْهُودُ فِي فَصْلَيِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَحَالَتَيِ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ ، فَكُلُّ عَادَةٍ تُرَاعَى فِي وَقْتِهَا ، وَمَتَى شَرَطَا خِلَافَ الْمَعْهُودِ ، فَهُوَ الْمُتَّبَعُ ، لَا الْمَعْهُودُ .
204
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث