الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثاني
289 الْبَابُ الثَّامِنُ فِي السَّهْوِ
وَفِيهِ مُقَدِّمَةٌ وَسِتَّةُ فُصُولٍ .
أَمَّا الْمُقْدِمَةُ فَفِيهَا عَشْرُ قَوَاعِدَ يَنْبَنِي عَلَيْهَا فَصُولُ هَذَا الْبَابِ .
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى : لِلصَّلَاةِ فَرَائِضُ وَسُنَنٌ وَفَضَائِلُ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَالْفَرَائِضُ لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَالسُّنَنَ يَنُوبُ السُّجُودُ عَنْهَا إِنْ سَهَا عَنْهَا ، وَالْفَضَائِلُ لَا يَسْجُدْ لِسَهْوِهَا ، وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ لَهَا .
تَنْبِيهٌ
قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ : يَجِبُ السُّجُودُ لِلسُّنَنِ الَّتِي أَحْصَيْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أُحْصِيَ : الزِّيَادَةُ عَلَى مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنَ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ ، وَالِاعْتِدَالُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهَذِهِ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لَهَا ، وَإِنَّمَا يَسْجُدُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : لِتَرْكِ ثَمَانٍ : 290 السُّورَةُ ، وَالْجَهْرُ ، وَالْإِسْرَارُ ، وَالتَّكْبِيرُ ، وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ ، وَالْجُلُوسُ لَهُ ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ .
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ :
يَسْجُدُ عِنْدَنَا لِنَقْصِ الْأَقْوَالِ الْمَحْدُودَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَلِنَقْصِ الْأَفْعَالِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي ، وَقَوْلُنَا الْمَحْدُودَةُ احْتِرَازٌ مِنَ الْقُنُوتِ وَالتَّسْبِيحِ ، وَقَوْلُنَا الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى احْتِرَازٌ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْأَدْعِيَةِ ، وَقَالَ ش : لَا يَسْجُدُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَقْوَالِ إِلَّا التَّشَهُّدَ وَالْقُنُوتَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَيَسْجُدُ لِلْأَفْعَالِ ، وَوَافَقَهُ أَشْهَبُ فِي التَّكْبِيرِ ، وَقَالَ ح : يَسْجُدُ لِلْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ فَإِذَا أَتَى بِالْفَاتِحَةِ فَقَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ فَلَا يَسْجُدُ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالرُّكْنِ فَالْوَاجِبُ : مَا لَهُ جَابِرٌ ، وَالرُّكْنُ : مَا لَا جَابِرَ لَهُ كَمَا نَقُولُهُ نَحْنُ فِي الْحَجِّ . وَقَالَ بِالسُّجُودِ لِتَرْكِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ ، وَاعْتَبَرَهَا بِالتَّشَهُّدِ لِتَكَرُّرِهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، لَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ . احْتَجُّوا بِأَنَّ التَّكْبِيرَ كَلِمَتَانِ ، فَهُوَ خَفِيفٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّسْبِيحِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ كَلِمَتَانِ ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ وَهُمَا رُكْنَانِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ مَحِلَّ النِّزَاعِ فِي الْقَوْلِ الْمَحْدُودِ وَالتَّسْبِيحِ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ .
291 الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ :
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : الزِّيَادَةُ الَّتِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا مُوجِبَةٌ لِلسُّجُودِ خِلَافًا لِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ فِي تَخْصِيصِهِمُ السُّجُودَ بِالنُّقْصَانِ ، وَقَوْلُنَا يُبْطِلُ عَمْدُهَا كَالرَّكْعَةِ وَالسَّجْدَةِ مَثَلًا احْتِرَازٌ مِنَ التَّطْوِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ . لَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ - الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي .
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ :
أَنَّ السَّهْوَ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَمِنْ جِنْسَيْنِ أَجْزَأَتْ فِيهِ سَجْدَتَانِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : إِذَا اجْتَمَعَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ سَجَدَ قَبْلَ وَبَعْدَ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَدَاخَلَ كَجَمَرَاتِ الْحَجِّ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ السُّجُودَ وَجَبَ لِوَصْفِ السَّهْوِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ . وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُوجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَصْفَ لِذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَإِذَا كَانَ وَصْفُ السَّهْوِ هُوَ الْعِلَّةُ انْدَرَجَتْ سَائِرُ أَفْرَادِهِ تَحْتَ سَجْدَتَيْنِ ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ لِوَصْفِ الطِّيبِ انْدَرَجَ أَفْرَادُهُ فِي الْفِدْيَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ فِيهِ سَائِرُ أَفْرَادِ السَّهْوِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَقَامَ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَقَامَ وَتَكَلَّمَ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَرَجَعَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَسَجَدَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ 292 سَجْدَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ تَرْتِيبَ الْأَحْكَامِ عَلَى أَسْبَابِهَا ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَسَجَدَ عَقِيبَ كُلِّ سَهْوٍ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ .
فَرْعَانِ :
الْأَوَّلُ : لَوْ تَيَقَّنَ السُّجُودَ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ ؟ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : سَجَدَ قَبْلُ وَيَبْنِي عَلَى النُّقْصَانِ دُونَ الزِّيَادَةِ كَالشَّكِّ فِي الرَّكَعَاتِ .
الثَّانِي : لَوْ كَثُرَ سَهْوُهُ وَاسْتَنْكَحَهُ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : لِمَالِكٍ تَرْكُ السُّجُودِ لِلِاسْتِنْكَاحِ وَالسُّجُودُ لِمَا فِي الصِّحَاحِ ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى ؟ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ .
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ :
سُجُودُ السَّهْوِ عِنْدَ مَالِكٍ لِلنُّقْصَانِ قَبْلُ ، وَلِلزِّيَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْأُولَى ، وَقَالَ ش : كِلَاهُمَا قَبْلُ ، وَقَالَ ح : كِلَاهُمَا بَعْدُ ، وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : كِلَاهُمَا قَبْلَ مَوْرِدِ النَّصِّ . لَنَا مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ قَبْلُ ، وَسَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَمِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ بَعْدُ ، وَلِأَنَّ النُّقْصَانَ بَدَلٌ مِمَّا هُوَ قَبْلَ السَّلَامِ فَيَكُونُ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَالزِّيَادَةُ زَجْرٌ لِلشَّيْطَانِ عَنِ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْغِيمِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ : يَا وَيْلَهْ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ 293 بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ - الْحَدِيثَ . فَيَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ حَذَرًا مِنَ الزِّيَادَةِ ، احْتَجَّ ش بِمَا فِي مُسْلِمٍ ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا يَتَيَقَّنُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا لَهُ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ . وَهُوَ مُضْطَرِبُ الطُّرُقِ ، وَأَكْثَرُ الْحُفَّاظِ يَرْوُونَهُ مُرْسَلًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ غُيِّرَ بِالسُّجُودِ عَنْ سَجْدَتِي الرَّكْعَةِ الْمُكَمِّلَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ .
فَرْعٌ :
فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ أَشْهَبُ : إِنْ تَعَمَّدَ التَّقْدِيمَ فِيمَا بَعْدَ السَّلَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُعِيدُهَا بَعْدُ وَتَصِحُّ .
الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ :
فِي الْكِتَابِ : السَّهْوُ فِي النَّافِلَةِ كَالْفَرِيضَةِ ، وَقَالَ ش فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَابْنُ سِيرِينَ : لَا سُجُودَ فِي النَّافِلَةِ . لَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ ، وَلِأَنَّهُ جَائِزٌ لِمَا اخْتَلَّ مِنْ مُوجِبِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْبَابَيْنِ .
فَرْعَانِ :
الْأَوَّلُ لَوْ سَهَا عَنِ السُّورَةِ فِي النَّافِلَةِ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ مَالِكٌ : إِنْ شَاءَ زَادَ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ ; فَإِنَّهُمَا مَحْدُودَةٌ فِيهَا ؛ فَكَمَا كَانَ مِنَ الْمَحْدُودَاتِ كَالتَّكْبِيرِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ اسْتَوَيَا فِيهِ ، وَإِلَّا فَلَا . الثَّانِي لَوْ سَهَا عَنِ السَّلَامِ فِي النَّافِلَةِ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ ، 294 وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ فَسَادَهَا فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْجُدَ مَتَى مَا ذَكَرَ ; لِأَنَّ السُّجُودَ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالتَّرْكِ وَلَا نَأْمُرُهُ بِالسَّلَامِ ; لِأَنَّ الطُّولَ أَوْجَبَ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ .
الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ :
أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّكَالِيفِ أَنْ تَقَعَ بِالْعِلْمِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) . وَلَمَّا تَعَذَّرَ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ أَقَامَ الشَّرْعُ الظَّنَّ مَقَامَهُ لِغَلَبَةِ إِصَابَتِهِ ، وَنُدْرَةِ خَطَئِهِ تَقْدِيمًا لِلْمَصْلَحَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ النَّادِرَةِ ، وَبَقِيَ الشَّكُّ مُلْغًى إِجْمَاعًا ، فَكُلُّ مَا شَكَكْنَا فِي وُجُودِهِ مِنْ سَبَبٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَانِعٍ اسْتَصْحَبْنَا عَدَمَهُ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا قَبْلَ الشَّكِّ ، أَوْ شَكَكْنَا فِي عَدَمِهِ اسْتَصْحَبْنَا وُجُوَدَهُ ، إِنْ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الشَّكِّ فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِذَا شَكَّ فِي إِكْمَالِ صَلَاتِهِ فَقَدْ شَكَّ فِي وُجُودِ السَّبَبِ الْمُبَرِّئِ لِلذِّمَّةِ ، فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَهُ ، وَيُلْغَى الْمَشْكُوكُ فِيهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ شَكَّ فِي طَرَيَانِ الْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ فَقَدْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي حُصُولِ الشَّرْطِ حَالَةَ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَ الشَّرْطِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ ، وَإِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا ؟ فَقَدْ شَكَّ فِي طَرَيَانِ السَّبَبِ الْوَاقِعِ ، فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَهُ فَتَثْبُتُ الْعِصْمَةَ ، وَإِذَا طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا ؟ فَقَدْ شَكَّ فِي بَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَهِيَ شَرْطٌ فِي الرَّجْعَةِ فَلَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ هَذِهِ الْفُرُوعُ ، وَلَا يَبْقَى فِيهَا تَنَاقُضٌ الْبَتَّةَ . سُؤَالَانِ : الْأَوَّلُ مُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ اسْتِصْحَابُ وُجُودِ الطَّهَارَةِ ، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الشَّكِّ فَلِمَ لَا يَسْتَصْحِبُ ؟ الثَّانِي إِذَا شَكَّ فِي الْإِكْمَالِ أَكْمَلَ وَسَجَدَ وَقَدْ ثَبَتَ السُّجُودُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ أَوِ النَّقْصُ ، 295 فَقَدِ اعْتُبِرَ الْمَشْكُوكُ ؟
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمٌ لِلشَّكِّ فِي الْمَشْرُوطِ فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي صُدُورِ السَّبَبِ الْمُبَرِّئِ لِلذِّمَّةِ مِنَ الْمُكَلَّفِ ، وَهَذَا السَّبَبُ كَانَ مَعْدُومًا فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَهُ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ الشَّكَّ هَاهُنَا هُوَ السَّبَبُ وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِوُجُودِهِ ، وَلِلشَّرْعِ أَنْ يَنْصِبَ أَيَّ شَيْءٍ شَاءَ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا .
فَرْعٌ :
الْمُعْتَبَرُ عِنْدَنَا فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الْيَقِينُ دُونَ الظَّنِّ وَعِنْدَ ش لِإِمْكَانِ تَحْصِيلِهِ ، وَقَالَ ح : إِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَسْوَسًا وَشَكَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِلَّا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : الْمُنْفَرِدُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ ، وَالْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ .
الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ :
أَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنَ التَّرْتِيبِ وَالنِّظَامِ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ غَيَّرَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْقَصْدَ إِلَى إِيقَاعِهِ قُرْبَةً ; لِكَوْنِهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ ، فَعَلَى هَذَا يَفْتَقِرُ التَّلْفِيقُ إِلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهُ ، وَلَا تَكْفِي صُورَةُ الْفِعْلِ فَلَا يَضُمُّ سُجُودَ الثَّانِيَةِ إِلَى رُكُوعِ الْأُولَى ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِـ ش وَأَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ .
الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ :
الْإِمَامُ يَحْمِلُ عَنِ الْمَأْمُومِ سُجُودَ السَّهْوِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْإِمَامُ ضَامِنٌ . وَضَمَانُهُ لَيْسَ بِالذِّمَّةِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ زَيْدٍ لَا تَنُوبُ عَنْ عَمْرٍو ، وَإِنَّمَا الضَّمَانُ يَحْمِلُ الْقِرَاءَةَ وَالسُّجُودَ أَوْ مِنَ التَّضَمُّنِ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْإِمَامِ 296 مُتَضَمِّنَةً لِصِفَاتِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مِنْ فَرْضٍ وَأَدَاءٍ وَقَضَاءٍ وَقِرَاءَةٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ مَطْلُوبٌ .
الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ :
التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ الْمُرَقَّعَةِ الْمَجْبُورَةِ إِذَا عَرَضَ فِيهَا الشَّكُّ ، أَوْلَى مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ تَرْقِيعِهَا أَوِ الشُّرُوعِ فِي غَيْرِهَا ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَيْضًا بَعْدَ التَّرْقِيعِ أَوْلَى مِنْ إِعَادَتِهَا فَإِنَّهُ مِنْهَاجُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِنْهَاجُ أَصْحَابِهِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ بَعْدَهُمْ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي الِابْتِدَاعِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا صَلَاتَيْنِ فِي يَوْمٍ . فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الِاسْتِظْهَارُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِمُنَاسَبَاتِ الْعُقُولِ ، وَإِنَّمَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالشَّرْعِ الْمَنْقُولِ .
وَفِيهِ مُقَدِّمَةٌ وَسِتَّةُ فُصُولٍ .
أَمَّا الْمُقْدِمَةُ فَفِيهَا عَشْرُ قَوَاعِدَ يَنْبَنِي عَلَيْهَا فَصُولُ هَذَا الْبَابِ .
الْقَاعِدَةُ الْأُولَى : لِلصَّلَاةِ فَرَائِضُ وَسُنَنٌ وَفَضَائِلُ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَالْفَرَائِضُ لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَالسُّنَنَ يَنُوبُ السُّجُودُ عَنْهَا إِنْ سَهَا عَنْهَا ، وَالْفَضَائِلُ لَا يَسْجُدْ لِسَهْوِهَا ، وَلَا تُعَادُ الصَّلَاةُ لَهَا .
تَنْبِيهٌ
قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ : يَجِبُ السُّجُودُ لِلسُّنَنِ الَّتِي أَحْصَيْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أُحْصِيَ : الزِّيَادَةُ عَلَى مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنَ الْجُلُوسِ الْأَخِيرِ ، وَالِاعْتِدَالُ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهَذِهِ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ لَهَا ، وَإِنَّمَا يَسْجُدُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : لِتَرْكِ ثَمَانٍ : 290 السُّورَةُ ، وَالْجَهْرُ ، وَالْإِسْرَارُ ، وَالتَّكْبِيرُ ، وَسَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ ، وَالْجُلُوسُ لَهُ ، وَالتَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ .
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ :
يَسْجُدُ عِنْدَنَا لِنَقْصِ الْأَقْوَالِ الْمَحْدُودَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَلِنَقْصِ الْأَفْعَالِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي ، وَقَوْلُنَا الْمَحْدُودَةُ احْتِرَازٌ مِنَ الْقُنُوتِ وَالتَّسْبِيحِ ، وَقَوْلُنَا الْمُتَعَلِّقَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى احْتِرَازٌ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْأَدْعِيَةِ ، وَقَالَ ش : لَا يَسْجُدُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَقْوَالِ إِلَّا التَّشَهُّدَ وَالْقُنُوتَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَيَسْجُدُ لِلْأَفْعَالِ ، وَوَافَقَهُ أَشْهَبُ فِي التَّكْبِيرِ ، وَقَالَ ح : يَسْجُدُ لِلْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ فَإِذَا أَتَى بِالْفَاتِحَةِ فَقَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ فَلَا يَسْجُدُ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالرُّكْنِ فَالْوَاجِبُ : مَا لَهُ جَابِرٌ ، وَالرُّكْنُ : مَا لَا جَابِرَ لَهُ كَمَا نَقُولُهُ نَحْنُ فِي الْحَجِّ . وَقَالَ بِالسُّجُودِ لِتَرْكِ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ ، وَاعْتَبَرَهَا بِالتَّشَهُّدِ لِتَكَرُّرِهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، لَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ . احْتَجُّوا بِأَنَّ التَّكْبِيرَ كَلِمَتَانِ ، فَهُوَ خَفِيفٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّسْبِيحِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ كَلِمَتَانِ ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ وَهُمَا رُكْنَانِ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ مَحِلَّ النِّزَاعِ فِي الْقَوْلِ الْمَحْدُودِ وَالتَّسْبِيحِ لَيْسَ بِمَحْدُودٍ .
291 الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ :
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : الزِّيَادَةُ الَّتِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا مُوجِبَةٌ لِلسُّجُودِ خِلَافًا لِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ فِي تَخْصِيصِهِمُ السُّجُودَ بِالنُّقْصَانِ ، وَقَوْلُنَا يُبْطِلُ عَمْدُهَا كَالرَّكْعَةِ وَالسَّجْدَةِ مَثَلًا احْتِرَازٌ مِنَ التَّطْوِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ . لَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ - الْحَدِيثَ وَسَيَأْتِي .
الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ :
أَنَّ السَّهْوَ إِذَا تَكَرَّرَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَمِنْ جِنْسَيْنِ أَجْزَأَتْ فِيهِ سَجْدَتَانِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : إِذَا اجْتَمَعَ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ سَجَدَ قَبْلَ وَبَعْدَ ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَدَاخَلَ كَجَمَرَاتِ الْحَجِّ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ .
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ السُّجُودَ وَجَبَ لِوَصْفِ السَّهْوِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ . وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُوجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْوَصْفَ لِذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَإِذَا كَانَ وَصْفُ السَّهْوِ هُوَ الْعِلَّةُ انْدَرَجَتْ سَائِرُ أَفْرَادِهِ تَحْتَ سَجْدَتَيْنِ ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ لِوَصْفِ الطِّيبِ انْدَرَجَ أَفْرَادُهُ فِي الْفِدْيَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ فِيهِ سَائِرُ أَفْرَادِ السَّهْوِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَقَامَ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَقَامَ وَتَكَلَّمَ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَرَجَعَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ سَهْوٌ ، وَسَجَدَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ 292 سَجْدَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ تَرْتِيبَ الْأَحْكَامِ عَلَى أَسْبَابِهَا ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَسَجَدَ عَقِيبَ كُلِّ سَهْوٍ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ .
فَرْعَانِ :
الْأَوَّلُ : لَوْ تَيَقَّنَ السُّجُودَ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ ؟ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : سَجَدَ قَبْلُ وَيَبْنِي عَلَى النُّقْصَانِ دُونَ الزِّيَادَةِ كَالشَّكِّ فِي الرَّكَعَاتِ .
الثَّانِي : لَوْ كَثُرَ سَهْوُهُ وَاسْتَنْكَحَهُ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : لِمَالِكٍ تَرْكُ السُّجُودِ لِلِاسْتِنْكَاحِ وَالسُّجُودُ لِمَا فِي الصِّحَاحِ ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى ؟ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ .
الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ :
سُجُودُ السَّهْوِ عِنْدَ مَالِكٍ لِلنُّقْصَانِ قَبْلُ ، وَلِلزِّيَادَةِ عَلَى سَبِيلِ الْأُولَى ، وَقَالَ ش : كِلَاهُمَا قَبْلُ ، وَقَالَ ح : كِلَاهُمَا بَعْدُ ، وَرَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارٍ وَابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : كِلَاهُمَا قَبْلَ مَوْرِدِ النَّصِّ . لَنَا مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ قَبْلُ ، وَسَلَّمَ مِنِ اثْنَتَيْنِ وَمِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ بَعْدُ ، وَلِأَنَّ النُّقْصَانَ بَدَلٌ مِمَّا هُوَ قَبْلَ السَّلَامِ فَيَكُونُ قَبْلَ السَّلَامِ ، وَالزِّيَادَةُ زَجْرٌ لِلشَّيْطَانِ عَنِ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْغِيمِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ : يَا وَيْلَهْ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ 293 بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ - الْحَدِيثَ . فَيَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ حَذَرًا مِنَ الزِّيَادَةِ ، احْتَجَّ ش بِمَا فِي مُسْلِمٍ ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا يَتَيَقَّنُ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى ، وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا لَهُ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ . وَهُوَ مُضْطَرِبُ الطُّرُقِ ، وَأَكْثَرُ الْحُفَّاظِ يَرْوُونَهُ مُرْسَلًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ غُيِّرَ بِالسُّجُودِ عَنْ سَجْدَتِي الرَّكْعَةِ الْمُكَمِّلَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ .
فَرْعٌ :
فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ أَشْهَبُ : إِنْ تَعَمَّدَ التَّقْدِيمَ فِيمَا بَعْدَ السَّلَامِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُعِيدُهَا بَعْدُ وَتَصِحُّ .
الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ :
فِي الْكِتَابِ : السَّهْوُ فِي النَّافِلَةِ كَالْفَرِيضَةِ ، وَقَالَ ش فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَابْنُ سِيرِينَ : لَا سُجُودَ فِي النَّافِلَةِ . لَنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ ، وَلِأَنَّهُ جَائِزٌ لِمَا اخْتَلَّ مِنْ مُوجِبِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْبَابَيْنِ .
فَرْعَانِ :
الْأَوَّلُ لَوْ سَهَا عَنِ السُّورَةِ فِي النَّافِلَةِ ، قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : قَالَ مَالِكٌ : إِنْ شَاءَ زَادَ فِي النَّافِلَةِ عَلَى الْفَاتِحَةِ ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْفَرِيضَةِ ; فَإِنَّهُمَا مَحْدُودَةٌ فِيهَا ؛ فَكَمَا كَانَ مِنَ الْمَحْدُودَاتِ كَالتَّكْبِيرِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ اسْتَوَيَا فِيهِ ، وَإِلَّا فَلَا . الثَّانِي لَوْ سَهَا عَنِ السَّلَامِ فِي النَّافِلَةِ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُعِيدَ ، 294 وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ فَسَادَهَا فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَسْجُدَ مَتَى مَا ذَكَرَ ; لِأَنَّ السُّجُودَ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالتَّرْكِ وَلَا نَأْمُرُهُ بِالسَّلَامِ ; لِأَنَّ الطُّولَ أَوْجَبَ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ .
الْقَاعِدَةُ السَّابِعَةُ :
أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّكَالِيفِ أَنْ تَقَعَ بِالْعِلْمِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) . وَلَمَّا تَعَذَّرَ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ أَقَامَ الشَّرْعُ الظَّنَّ مَقَامَهُ لِغَلَبَةِ إِصَابَتِهِ ، وَنُدْرَةِ خَطَئِهِ تَقْدِيمًا لِلْمَصْلَحَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ النَّادِرَةِ ، وَبَقِيَ الشَّكُّ مُلْغًى إِجْمَاعًا ، فَكُلُّ مَا شَكَكْنَا فِي وُجُودِهِ مِنْ سَبَبٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ مَانِعٍ اسْتَصْحَبْنَا عَدَمَهُ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا قَبْلَ الشَّكِّ ، أَوْ شَكَكْنَا فِي عَدَمِهِ اسْتَصْحَبْنَا وُجُوَدَهُ ، إِنْ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الشَّكِّ فَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِذَا شَكَّ فِي إِكْمَالِ صَلَاتِهِ فَقَدْ شَكَّ فِي وُجُودِ السَّبَبِ الْمُبَرِّئِ لِلذِّمَّةِ ، فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَهُ ، وَيُلْغَى الْمَشْكُوكُ فِيهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ شَكَّ فِي طَرَيَانِ الْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ فَقَدْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي حُصُولِ الشَّرْطِ حَالَةَ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَ الشَّرْطِ حَتَّى يَتَطَهَّرَ ، وَإِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا ؟ فَقَدْ شَكَّ فِي طَرَيَانِ السَّبَبِ الْوَاقِعِ ، فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَهُ فَتَثْبُتُ الْعِصْمَةَ ، وَإِذَا طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا ؟ فَقَدْ شَكَّ فِي بَقَاءِ الْعِصْمَةِ وَهِيَ شَرْطٌ فِي الرَّجْعَةِ فَلَا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ هَذِهِ الْفُرُوعُ ، وَلَا يَبْقَى فِيهَا تَنَاقُضٌ الْبَتَّةَ . سُؤَالَانِ : الْأَوَّلُ مُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ اسْتِصْحَابُ وُجُودِ الطَّهَارَةِ ، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الشَّكِّ فَلِمَ لَا يَسْتَصْحِبُ ؟ الثَّانِي إِذَا شَكَّ فِي الْإِكْمَالِ أَكْمَلَ وَسَجَدَ وَقَدْ ثَبَتَ السُّجُودُ مَعَ الشَّكِّ فِي سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ أَوِ النَّقْصُ ، 295 فَقَدِ اعْتُبِرَ الْمَشْكُوكُ ؟
وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمٌ لِلشَّكِّ فِي الْمَشْرُوطِ فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي صُدُورِ السَّبَبِ الْمُبَرِّئِ لِلذِّمَّةِ مِنَ الْمُكَلَّفِ ، وَهَذَا السَّبَبُ كَانَ مَعْدُومًا فَيَسْتَصْحِبُ عَدَمَهُ ، وَعَنِ الثَّانِي : أَنَّ الشَّكَّ هَاهُنَا هُوَ السَّبَبُ وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِوُجُودِهِ ، وَلِلشَّرْعِ أَنْ يَنْصِبَ أَيَّ شَيْءٍ شَاءَ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا .
فَرْعٌ :
الْمُعْتَبَرُ عِنْدَنَا فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ الْيَقِينُ دُونَ الظَّنِّ وَعِنْدَ ش لِإِمْكَانِ تَحْصِيلِهِ ، وَقَالَ ح : إِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَسْوَسًا وَشَكَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِلَّا بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : الْمُنْفَرِدُ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ ، وَالْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ .
الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ :
أَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنَ التَّرْتِيبِ وَالنِّظَامِ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ غَيَّرَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْقَصْدَ إِلَى إِيقَاعِهِ قُرْبَةً ; لِكَوْنِهِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ ، فَعَلَى هَذَا يَفْتَقِرُ التَّلْفِيقُ إِلَى نِيَّةٍ تَخُصُّهُ ، وَلَا تَكْفِي صُورَةُ الْفِعْلِ فَلَا يَضُمُّ سُجُودَ الثَّانِيَةِ إِلَى رُكُوعِ الْأُولَى ، وَهَذَا الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِـ ش وَأَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ .
الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ :
الْإِمَامُ يَحْمِلُ عَنِ الْمَأْمُومِ سُجُودَ السَّهْوِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : الْإِمَامُ ضَامِنٌ . وَضَمَانُهُ لَيْسَ بِالذِّمَّةِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ زَيْدٍ لَا تَنُوبُ عَنْ عَمْرٍو ، وَإِنَّمَا الضَّمَانُ يَحْمِلُ الْقِرَاءَةَ وَالسُّجُودَ أَوْ مِنَ التَّضَمُّنِ فَتَكُونُ صَلَاةُ الْإِمَامِ 296 مُتَضَمِّنَةً لِصِفَاتِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ مِنْ فَرْضٍ وَأَدَاءٍ وَقَضَاءٍ وَقِرَاءَةٍ وَسُجُودٍ وَهُوَ مَطْلُوبٌ .
الْقَاعِدَةُ الْعَاشِرَةُ :
التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ الْمُرَقَّعَةِ الْمَجْبُورَةِ إِذَا عَرَضَ فِيهَا الشَّكُّ ، أَوْلَى مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ تَرْقِيعِهَا أَوِ الشُّرُوعِ فِي غَيْرِهَا ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَيْضًا بَعْدَ التَّرْقِيعِ أَوْلَى مِنْ إِعَادَتِهَا فَإِنَّهُ مِنْهَاجُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمِنْهَاجُ أَصْحَابِهِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ بَعْدَهُمْ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي الِاتِّبَاعِ ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي الِابْتِدَاعِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا صَلَاتَيْنِ فِي يَوْمٍ . فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ الِاسْتِظْهَارُ عَلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُ فِي الشَّرْعِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِمُنَاسَبَاتِ الْعُقُولِ ، وَإِنَّمَا يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالشَّرْعِ الْمَنْقُولِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith