الذخيرة
الذخيرة · الجزء الأول
page 123 · printed p. 210
210 الطَّرَفُ الرَّابِعُ : فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ .
يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَمِينِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ ؛ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : ( ۝ لَا يُمْسِكْ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ) .
فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ يَدِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْمُلَاقَاةِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ عُلُوقِ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ مَحَلَّ الْبَوْلِ أَوَّلًا لِئَلَّا تَتَنَجَّسَ يَدُهُ بِالْبَوْلِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَادَتُهُ إِدْرَارَ الْبَوْلِ عِنْدَ غَسْلِ مَحَلِّ الْغَائِطِ ، فَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ بِتَعْجِيلِهِ ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى مَحَلِّ الْغَائِطِ ، وَيُرْسِلُ الْمَاءَ ، وَيُوَالِي الصَّبَّ عَلَى يَدِهِ غَاسِلًا بِهَا الْمَحَلَّ ، وَيَسْتَرْخِي قَلِيلًا لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِنْقَاءِ ، وَيُجِيدَ الْعَرْكَ حَتَّى تَزُولَ اللُّزُوجَةُ ، وَلَا يَضُرُّهُ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ بِيَدِهِ .
وَأَمَّا الْأَحْجَارُ فَيَسْتَنْجِي بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِكُلِّ مَخْرَجٍ ؛ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ : ( ۝ مَنِ اسْتَجْمَرَ ، فَلْيُوتِرْ ) .
وَيَبْدَأُ بِمَخْرَجِ الْبَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ أَنْقَى بِدُونِهَا أَجْزَأَهُ خِلَافًا ش ; لِأَنَّ الْوَاحِدَ وِتْرٌ فَيَخْرُجُ بِهِ عَنِ الْعُهْدَةِ ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ ، وَالشَّيْخُ إِسْحَاقُ : يَلْزَمُهُ طَلَبُهَا ؛ لِمَا فِي مُسْلِمٍ : ( ۝ لَا يَسْتَجْمِرْ أَحَدُكُمْ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ) وَلِأَنَّهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَيُتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبِهِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ .
وَالْحَجَرُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةُ شُعَبٍ يُجْزِئُ ، وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ .
وَتَتَعَيَّنُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِنْقَاءُ .
قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : فِي صِفَةِ الِاسْتِجْمَارِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ ؛ أَحَدُهَا : أَنْ يَمْسَحَ بِكُلِّ حَجَرٍ مِنَ الثَّلَاثِ جُمْلَةَ الْمَخْرَجِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَثَانِيهَا : يَمْسَحُ بِالْأَوَّلِ الْجِهَةَ الْيُمْنَى ، ثُمَّ يُدِيرُهُ حَتَّى يَتَنَاهَى إِلَى مُؤَخِّرِ الْيُسْرَى ، وَيَبْدَأُ بِالْحَجَرِ الثَّانِي مِنْ مُقَدَّمِ الْيُسْرَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مُؤَخِّرِ الْيَمِينِ ، ثُمَّ يُدِيرُهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى مُقَدَّمِهَا ، وَيُدِيرُ الثَّالِثَ عَلَى جَمِيعِهَا ؛ لِمَا رَوَى فِي ذَلِكَ مَالِكٌ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( ۝ يُقْبِلُ 211 بِحَجَرٍ ، وَيُدْبِرُ بِحَجَرٍ ، وَيُحَلِّقُ بِثَالِثٍ ) .
وَهَذَا خِلَافُ مَا عُهِدَ فِي الزَّمَنِ الْقَدِيمِ ، وَفِيهِ الْأَعْرَابُ الْجُلُفُ ، وَلَمْ يُلْزِمُوا بِتَحْدِيدٍ مَعَ عُمُومِهِ ، وَعُمُومِ الْبَلْوَى .
فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ :
الْأَوَّلُ : الِاسْتِبْرَاءُ وَاجِبٌ ؛ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ۝ مَرَّ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ مَكَّةَ ، أَوِ الْمَدِينَةِ ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( إِنَّ هَذَيْنِ يُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، ثُمَّ قَالَ : بَلَى كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَنْثِرُ مِنْ بَوْلِهِ ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ ) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . يَسْتَتِرُ قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ : الرِّوَايَةُ يَسْتَنْثِرُ ، مِنَ الِاسْتِنْثَارِ وَهُوَ الْجَذْبُ ، وَالنَّثْرُ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَشْرَعُ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ خُرُوجِ جَمِيعِ الْبَوْلِ فَيَخْرُجُ الْبَوْلُ بَعْدَهُ فَيُصَلِّي بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَيَلْحَقُهُ الْعَذَابُ .
لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ ، وَيَقْعُدَ ، وَيَتَنَحْنَحَ لَكِنْ يَفْعَلُ مَا يَرَاهُ كَافِيًا فِي حَالِهِ ، وَيَسْتَبْرِئُ ذَلِكَ بِالنَّفْضِ ، وَالسَّلْتِ الْخَفِيفِ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مُسْنَدًا أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : ( ۝ إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ ، فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا ، وَيَجْعَلْهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ : السَّبَّابَةِ ، وَالْإِبْهَامِ فَيُمِرُّهَا مِنْ أَصْلِهِ إِلَى كَمَرَتِهِ ) .
الثَّانِي : لَوْ تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ ، وَالِاسْتِجْمَارَ وَصَلَّى بِالنَّجَاسَةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ أَبَدًا إِذَا كَانَ عَامِدًا قَادِرًا ، أَوْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ عَلَى قَاعِدَةِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَلِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْعُتْبِيَّةِ : لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ؛ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ : ( ۝ مَنِ اسْتَجْمَرَ ، فَلْيُوتِرْ ) وَرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : ( ۝ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ) وَالْوِتْرُ يَتَنَاوَلُ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ ، فَإِذَا نَفَاهَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ ، وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَيُعْفَى عَنْهُ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ قَالَ اللَّخْمِيُّ : يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ : أَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَ وُضُوءَهُ وَصَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : كَأَنَّ ابْنَ الْجَلَّابِ رَاعَى فِي ذَلِكَ اسْتِخْرَاجَ النَّجَاسَةِ مِنْ غُضُونِ الشَّرَجِ فَيَكُونُ مُحْدِثًا ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ .
الثَّالِثُ : إِذَا عَرِقَ فِي الثَّوْبِ بَعْدَ الِاسْتِجْمَارِ . قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ وَابْنُ 212 رُشْدٍ : يُعْفَى عَنْهُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى ، وَقَدْ عُفِيَ عَنْ ذَيْلِ الْمَرْأَةِ تُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ مَعَ إِمْكَانِ شَيْلِهِ ، فَهَذَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يَسْتَجْمِرُونَ ، وَيَعْرَقُونَ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : يَنْجَسُ لِتَعَدِّي النَّجَاسَةِ مَحَلَّ الْعَفْوِ .
الرَّابِعُ : قَالَ صَاحِبُ الطَّرَّازِ : لَوْ لَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِجْمَارَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ تَيَمُّمِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ اسْتَجْمَرَ ، وَأَعَادَ التَّيَمُّمَ ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ إِعَادَةِ التَّيَمُّمِ ، فَلَا يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِلَ بِالصَّلَاةِ ، وَقَدْ فَرَّقَهُ بِإِزَالَةِ النَّجْوِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ كَمَنْ تَيَمَّمَ ، ثُمَّ وَطِئَ نَعْلُهُ عَلَى رَوَثٍ ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُهُ ، وَيُصَلِّي .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith