الذخيرة
الذخيرة · الجزء الأول
page 118 · printed p. 194
الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي حُكْمِهَا .
فِي الْجَوَاهِرِ : قَالَ الْقَاضِيَانِ ابْنُ الْقَصَّارِ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ : الْمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلَى وُجُوبِ الْإِزَالَةِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إِعَادَةِ مَنْ صَلَّى بِهَا بِنَاءً عَلَى كَوْنِهَا شَرْطًا ، فِي 194 الصَّلَاةِ أَمْ لَا ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى تَأْثِيمِ الْمُصَلِّي بِهَا ، وَمَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إِنَّهَا سُنَّةٌ : أَنَّ حُكْمَهَا عُلِمَ بِالسُّنَّةِ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ ، وَجَمَاعَةٌ : هِيَ سُنَّةٌ ، وَالْخِلَافُ فِي إِعَادَةِ مَنْ صَلَّى بِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ تَرَكَ السُّنَنَ مُتَعَمِّدًا .
وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَغَارِبَةِ يَقُولُونَ : فِي الْمَذْهَبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْوُجُوبُ ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ لِإِلْزَامِهِ الْإِعَادَةَ بَعْدَ الْوَقْتِ نَاسِيًا ، أَوْ عَامِدًا .
وَالِاسْتِحْبَابُ لِأَشْهَبَ لِاسْتِحْبَابِهِ الْإِعَادَةَ فِي الْوَقْتِ عَامِدًا ، أَوْ نَاسِيًا ، وَالْوُجُوبُ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ دُونَ النِّسْيَانِ وَالْعَجْزِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ لِإِيجَابِهِ الْإِعَادَةَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ بَعْدَ الْوَقْتِ ، وَأُمِرَ الْمَعْذُورُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ .
فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ مِنَ الطَّرَّازِ :
الْأَوَّلُ : إِذَا ذَكَرَ النَّجَاسَةَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ قَطَعَ صَلَاتَهُ ، أَمْكَنَهُ طَرْحُهُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ عَلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ ، وَقِيلَ : لَا يَقْطَعُ إِذَا طَرَحَ مَا عَلَيْهِ لِتَوِّهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَعَ نَعْلَهُ ، وَلَمْ يُعِدْ ، وَقِيلَ : لَا يَقْطَعُ فِي الْحَالَيْنِ إِمَّا لِأَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ أَخَفُّ ، أَوْ قِيَاسًا عَلَى الرُّعَافِ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّحَرُّزَ مِنَ النَّجَاسَةِ مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الرُّعَافِ .
زَادَ ابْنُ الْجَلَّابِ فِي هَذَا الْفَرْعِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ طَرْحُهُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَمْضِي عَلَى صَلَاتِهِ ، وَيُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى فَرَغَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ اسْتِحْبَابًا ، فَإِنْ تَعَمَّدَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ : يُعِيدُ بَعْدَ الْوَقْتِ .
فَرْعٌ : مُرَتَّبٌ : إِذَا قُلْنَا يَقْطَعُ ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا لَا يَسَعُ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ رَكْعَةً ، فَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ إِذَا تَشَاغَلَ بِرَفْعِ الْمَاءِ مِنَ الْبِئْرِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ ، وَهَذَا أَوْلَى بِالتَّمَادِي لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِالنَّجَاسَةِ أَخَفُّ مِنَ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ لِوُجُوبِ رَفْعِهِ إِجْمَاعًا .
195 الثَّانِي : إِنْ قُلْنَا بِالْقَطْعِ ، فَنَسِيَ بَعْدَ رُؤْيَتِهَا ، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : يُعِيدُ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ بِرُؤْيَتِهِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَقْطَعُ ، وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ يَنْزِعُ ، وَلَا يَقْطَعُ ، فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ .
وَلَوْ كَانَ ذَاهِبًا قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَنَسِيَهَا : فَفِي الْجَوَاهِرِ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إِنَّ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ ، وَإِنَّهُ مُفَرِّطٌ ، وَاسْتَضْعَفَهُ بِنَاءً عَلَى اخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ .
الثَّالِثُ : إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، فَرَآهَا ، فَتَحَوَّلَ عَنْهَا خَرَجَتْ عَلَى الْخِلَافِ فِي الثَّوْبِ إِذَا أَمْكَنَهُ طَرْحُهُ ، وَإِنْ كَانَتْ حَوْلَ رِجْلَيْهِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
الرَّابِعُ : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْإِيبَانِيُّ : إِذَا كَانَ أَسْفَلَ نَعْلِهِ نَجَاسَةٌ ، فَنَزَعَهُ ، وَوَقَفَ عَلَيْهِ جَازَ كَظَهْرِ حَصِيرٍ .
الْخَامِسُ : مِنَ الْبَيَانِ قَالَ مَالِكٌ : إِذَا عَلِمَ فِي ثَوْبِ إِمَامِهِ نَجَاسَةً إِنْ أَمْكَنَهُ إِعْلَامُهُ ، فَلْيَفْعَلْ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ، وَصَلَّى أَعَادَ فِي الْوَقْتِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ ، وَبَعْدَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، وَإِنَّمَا خَصَّصَهَا مَالِكٌ بِالْوَقْتِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ : كُلُّ مُصَلٍّ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ ، فَلْيُعْلِمْهُ بِذَلِكَ ، وَلِيَسْتَأْنِفْ عِنْد سَحْنُونٍ ، وَالَّذِي يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ : أَنَّ الْكَلَامَ لِإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُ الْبِنَاءَ ، وَعَدَمَ الِاسْتِئْنَافِ ، وَقِيلَ فِي الْمُتَلَبِّسِ إِنْ أَمْكَنَهُ إِعْلَامُهُ بِقِرَاءَةِ آيَةِ الْمُدَّثِّرِ ، أَوْ آيَةِ الْوُضُوءِ فَعَلَ ، وَتَمَادَى عَلَى صِلَاتِهِ مَعَ مُسْتَخْلَفِ الْإِمَامِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَحْنُونٌ : لَهُ أَنْ يَخْرِقَ الصُّفُوفَ ، وَيُعْلِمَهُ ، وَلَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ .
وَبَقِيَّةُ أَحْكَامِ النَّجَاسَةِ تَأْتِي فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ .
حُجَّةُ الْوُجُوبِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الصَّحِيحِ فِي صَاحِبَيِ الْقَبْرِ : ۝ إِنَّ هَذَيْنِ لَيُعَذَّبَانِ ، وَمَا يُعَذَّبَانِ بِكَبِيرٍ كَانَ أَحَدُهُمَا 196 يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ، وَالْآخَرُ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ . وَمِنْ سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ اسْتَبْرِئُوا مِنَ الْبَوْلِ ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ . وَلِأَنَّ الْبَوْلَ تَتَعَلَّقُ بِهِ طَهَارَةُ حَدَثٍ ، وَطَهَارَةُ خَبَثٍ ، وَالْأُولَى وَاجِبَةٌ إِجْمَاعًا ، فَيَكُونُ الْآخَرُ كَذَلِكَ عَمَلًا بِاتِّحَادِ السَّبَبِ .
حُجَّةُ النَّدْبِ : مَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ۝ خَلَعَ نَعْلَهُ ، فَخَلَعَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ نِعَالَهُمْ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : مَا بَالُكُمْ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ ؟ قَالُوا : رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ ، فَخَلَعْنَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا ، وَيَرَى أَذًى ، وَلَمْ يُعِدْ صَلَاتَهُ ، وَلَا أَبْطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا .
وَفِي الْمُوَطَّأِ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ۝ كَانَ يُصَلِّي ، وَهُوَ يَحْمِلُ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا ، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا ، وَالْغَالِبُ عَلَى ثِيَابِ الصِّبْيَانِ النَّجَاسَةُ .
وَقَدْ أَلْقَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ظَهْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَلَى جَزُورٍ بِدَمِهَا ، وَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ ، وَلَا نُقِلَ أَنَّهُ أَعَادَهَا .
وَلَمَّا تَعَارَضَتِ الْمَآخِذُ كَانَ النِّسْيَانُ مُسْقِطًا لِلْوُجُوبِ لِضَعْفِ مَأْخَذِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith