سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الخامس عشر
page 3313 · printed p. 484
الصِّبْغِيُّ
الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الْمُفْتِي الْمُحَدِّثُ ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ يَزِيدَ ، النَّيْسَابُورِيُّ الشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصِّبْغِيِّ .
مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِئَتَيْنِ .
484 رَأَى يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ الذُّهْلِيَّ ، وَأَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ .
وَسَمِعَ الْفَضْلَ بْنَ مُحَمَّدٍ الشَّعْرَانِيَّ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ قُتَيْبَةَ ، وَيُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ الْقَزْوِينِيَّ ، وَالْحَارِثَ بْنَ أَبِي أُسَامَةَ ، وَهِشَامَ بْنَ عَلِيٍّ السِّيرَافِيَّ ، وَعَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيَّ ، وَإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ وَمُحَمَّدَ بْنَ أَيُّوبَ الْبَجَلِيَّ وَطَبَقَتَهُمْ بِنَيْسَابُورَ وَالْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ وَالرَّيِّ .
وَجَمَعَ وَصَنَّفَ ، وَبَرَعَ فِي الْفِقْهِ ، وَتَمَيَّزَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ .
حَجَّ فِي سَنَةِ 283 ، فَقَرَأَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ عَلَى عَمِّهِ " مُنْتَقَى الْمُسْنَدِ " .
حَدَّثَ عَنْهُ : حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْدِيُّ ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ ، وَأَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْجُرْجَانِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ .
قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ : لَمَّا تَرَعْرَعْتُ اشْتَغَلْتُ بِتَعَلُّمِ الْفُرُوسِيَّةِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ حَرْفًا ، وَحُمِلْتُ إِلَى الرَّيِّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ حَيٌّ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي مِيرَاثِ أَبِي ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى نَيْسَابُورَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى بَابِ دَارِنَا ، وَأَبُو حَامِدٍ ابْنُ الشَّرْقِيِّ ، وَأَبُو حَامِدِ بْنُ حَسْنَوَيْهِ جَالِسَيْنِ ، فَقَالَا لِي : اشْتَغِلْ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ . قُلْتُ : مِمَّنْ ؟ قَالَا : مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ قُتَيْبَةَ . فَذَهَبْتُ إِلَيْهِ ، وَسَمِعْتُ ، فَرَغِبْتُ فِي الْحَدِيثِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الْعِرَاقِ بَعْدُ بِسَنَةٍ .
قَالَ الْحَاكِمُ : بَقِيَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ يُفْتَى بِنَيْسَابُورَ نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً ، وَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِ فِي فَتَاوِيهِ مَسْأَلَةٌ وَهِمَ فِيهَا .
وَلَهُ الْكُتُبُ الْمَبْسُوطَةُ مِثْلُ الطَّهَارَةِ 485 وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، ثُمَّ إِلَى آخِرِ كِتَابِ " الْمَبْسُوطِ " .
سَمِعْتُ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ : كَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ يَخْلُفُ إِمَامَ الْأَئِمَّةِ ابْنَ خُزَيْمَةَ فِي الْفَتْوَى بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ .
ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ : رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي فِي دَارٍ فِيهَا عُمَرُ ، وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ الْمَسَائِلَ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ : أَنْ أُجِيبَهُمْ ، فَمَا زِلْتُ أُسْأَلُ وَأُجِيبُ وَهُوَ يَقُولُ لِي : أَصَبْتَ ، امْضِ ، أَصَبْتَ امْضِ ، فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا النَّجَاةُ مِنَ الدُّنْيَا أَوِ الْمَخْرَجُ مِنْهَا ؟ فَقَالَ لِي بِإِصْبَعِهِ : الدُّعَاءُ ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ السُّؤَالَ فَجَمَعَ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ سَاجِدٌ لِخُضُوعِهِ ، ثُمَّ قَالَ : الدُّعَاءُ .
قَالَ الْحَاكِمُ : وَمِنْ تَصَانِيفِهِ كِتَابُ " الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ " ، وَكِتَابُ " الْإِيمَانِ " ، وَكِتَابُ " الْقَدَرِ " ، وَكِتَابُ " الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ " ، وَكِتَابُ " الرُّؤْيَةِ " ، وَكِتَابُ " الْأَحْكَامِ " ، وَحُمِلَ إِلَى بَغْدَادَ ، فَكَثُرَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ -يَعْنِي : هَذَا التَّأْلِيفَ - وَكِتَابُ " الْإِمَامَةِ " .
وَقَدْ سَمِعْتُهُ يُخَاطِبُ كَهْلًا مَنْ أَهْلِ فَقَالَ : حَدِّثُونَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ : دَعْنَا مِنْ حَدَّثَنَا ، إِلَى مَتَى حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا ؟ فَقَالَ : يَا هَذَا ، لَسْتُ أَشُمُّ مِنْ كَلَامِكَ رَائِحَةَ الْإِيمَانِ ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنَّ تَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ ، ثُمَّ هَجَرَهُ حَتَّى مَاتَ .
قَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَمْدُونَ يَقُولُ : صَحِبْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ إِسْحَاقَ سِنِينَ ، فَمَا رَأَيْتُهُ قَطُّ تَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ لَا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ .
486 رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ غَيْرَ مَرَّةٍ عُقَيْبَ الْأَذَانِ يَدْعُو وَيَبْكِي ، وَرُبَّمَا كَانَ يَضْرِبُ بِرَأْسِهِ الْحَائِطَ ، حَتَّى خَشِيتُ يَوْمًا أَنْ يَدْمَى رَأْسُهُ ، وَمَا رَأَيْتُ فِي جَمَاعَةِ مَشَايِخِنَا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ ، وَكَانَ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَغْتَابُ فِي مَجْلِسِهِ .
وَسَمِعْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ إِذَا أَنْشَدَ بَيْتًا ، يُفْسِدُهُ وَيُغَيِّرُهُ حَتَّى يُذْهِبَ الْوَزْنَ ، وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِعَقْلِهِ وَرَأْيِهِ .
وَسُئِلَ عَمَّنْ يُدْرِكُ الرُّكُوعَ وَلَمْ يَقْرَأِ الْفَاتِحَةَ ، فَقَالَ : يُعِيدُ الرَّكْعَةَ .
ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَزْوِينِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأَصْبَهَانِيُّ ، حَدَّثَنَا سُعَيْرُ بْنُ الْخِمْسِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا ، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ " .
قَالَ الْحَاكِمُ : كَتَبَ عَنِّي الدَّارَقُطْنِيُّ هَذَا ، وَقَالَ : مَا كَتَبْتُهُ عَنْ أَحَدٍ قَطُّ . وَرَوَاهُ الْخَلِيلِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ ، وَقَالَ الْخَلِيلِيُّ : وَرَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ عَنِ الصِّبْغِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : كَتَبَهُ عَنِّي أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ . رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنِ الْهَجَرِيِّ . وَمَا جَاءَ عَنْ سُعَيْرٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ الْهَجَرِيُّ لَا السَّبِيعِيُّ ، ثُمَّ بَالَغَ الْخَلِيلِيُّ فِي تَعْظِيمِهِ .
487 قَالَ الْحَاكِمُ : وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ إِسْحَاقَ يَقُولُ : خَرَجْنَا مِنْ مَجْلِسِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ ، وَمَعَنَا رَجُلٌ كَثِيرُ الْمُجُونِ ، فَرَأَى أَمَرَدَ ، فَتَقَدَّمَ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ ، وَصَافَحَهُ ، وَقَبَّلَ عَيْنَيْهِ وَخَدَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا الدَّبَرِيُّ بِصَنْعَاءَ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ۝ إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ فَقُلْتُ لَهُ : أَلَا تَسْتَحِي تَلُوطُ وَتَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ ؟ - يَعْنِي : أَنَّهُ رَكَّبَ إِسْنَادًا لِلْمَتْنِ .
تُوُفِّيَ الصِّبْغِيُّ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ .
وَفِيهَا مَاتَ مُسْنِدُ هَمَذَانَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَسَدِيُّ ، وَشَيْخُ الصُّوفِيَّةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُوَلَّدِ ، وَالْمُسْنِدُ أَبُو الْفَضْلِ الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ الْبُخَارِيُّ ، وَالْمُسْنِدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْجَلَّابُ بِهَمَذَانَ ، وَالْقَاضِي الْعَلَّامَةُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَهْمِ التَّنُوخِيُّ ، وَشَيْخُ مَرْوَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَاسِمُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مَهْدِيٍّ السَّيَّارِيُّ سِبْطُ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ 488 الْحَافِظِ ، وَالْمُسْنِدُ أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْأَسْوَارِيُّ الْأَصْبِهَانِيُّ ، وَشَيْخُ الْمُحَدِّثِينَ وَالزُّهَّادِ بِنَيْسَابُورَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّيْسَابُورِيُّ .
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْمَعَالِي أَحْمَدَ بْنِ الْمُؤَيَّدِ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَأْمُونِيُّ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ الْيَزْدِيُّ إِمْلَاءً ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الصِّبْغِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَعْفَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا كَبَّرَ ، وَإِذَا رَفَعَ .
وَبِهِ أَخْبَرَنَا الصِّبْغِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي مُسَاوِرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : أَمْلَى عَلَيَّ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ حَفِظَهُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : ۝ لَيْسَ عَلَى مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلَسٍ وَلَا خَائِنٍ قَطْعٌ .
489 غَرِيبٌ جِدًّا . مَعَ عَدَالَةِ رُوَاتِهِ ، فَلَا تَنْبَغِي الرِّوَايَةُ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ ; فَإِنِّي أَرَى ابْنَ وَهْبٍ - مَعَ حِفْظِهِ - وَهِمَ فِيهِ ، وَلِلْمَتْنِ إِسْنَادٌ غَيْرٌ هَذَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith