سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثاني
page 201 · printed p. 336
أَبُو الدَّرْدَاءِ ( ع )
الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ . قَاضِي دِمَشْقَ ، وَصَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبُو الدَّرْدَاءِ عُوَيْمِرُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ وَيُقَالُ : عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ ، وَيُقَالُ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَقِيلَ : ابْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ .
حَكِيمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَسَيِّدُ الْقُرَّاءِ بِدِمَشْقَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : هُوَ عُوَيْمِرُ بْنُ قَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ .
قَالَ : وَيُقَالُ : اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ .
رَوَى عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِدَّةَ أَحَادِيثَ . 336
وَهُوَ مَعْدُودٌ فِيمَنْ تَلَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَبَدًا أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى غَيْرِهِ .
وَهُوَ مَعْدُودٌ فِيمَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَتَصَدَّرَ لِلْإِقْرَاءِ بِدِمَشْقَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَقَبْلَ ذَلِكَ .
رَوَى عَنْهُ : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَفَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو أُمَامَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ; وَغَيْرُهُمْ مِنْ جِلَّةِ الصَّحَابَةِ ، وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ ، وَزَيْدُ بْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَزَوْجَتُهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ الْعَالِمَةُ ، وَابْنُهُ بِلَالُ بْنُ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ ، وَمَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ ، وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الْيَحْصَبِيُّ .
وَقِيلَ : إِنَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَلِحِقَهُ ; فَإِنْ صَحَّ ، فَلَعَلَّهُ قَرَأَ عَلَيْهِ بَعْضَ الْقُرْآنِ وَهُوَ صَبِيٌّ .
وَقَرَأَ عَلَيْهِ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ ، وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ .
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ : عَرَضَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ : خُلَيْدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَرَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ ، وَابْنُ عَامِرٍ . كَذَا قَالَ الدَّانِيُّ . وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ ، فِي دَوْلَةِ عُثْمَانَ . فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ ذُكِرَ لَنَا مِنْ قُضَاتِهَا . وَدَارُهُ بِبَابِ الْبَرِيدِ . ثُمَّ صَارَتْ فِي دَوْلَةِ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّينِ تُعْرَفُ بِدَارِ الْغَزِّيِّ . 337
وَيُرْوَى لَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا .
وَاتَّفَقَا لَهُ عَلَى حَدِيثَيْنِ ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِثَلَاثَةٍ ، وَمُسْلِمٌ بِثَمَانِيَةٍ .
رَوَى سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، عُوَيْمِرَ بْنَ عَامِرٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ مَرَّةً : هُوَ عُوَيْمِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ .
مَاتَ قَبْلَ عُثْمَانَ بِثَلَاثِ سِنِينَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : سَأَلْتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَقَالَ : اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ . وَلَقَبُهُ : عُوَيْمِرٌ .
وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ : هُوَ عُوَيْمِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ . وَقَالَ أَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعِدَّةٌ : عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ .
وَآخِرُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى أَبَا الدَّرْدَاءِ ، شَيْخٌ عَاشَ إِلَى دَوْلَةِ الرَّشِيدِ ، فَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ التُّرْجُمَانِيُّ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَبُو الْحَارِثِ ، قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَقْنَى أَشْهَلَ يُخَضِّبُ بِالصُّفْرَةِ .
رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ خَيْثَمَةَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : كُنْتُ تَاجِرًا قَبْلَ الْمَبْعَثِ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ ، جَمَعْتُ التِّجَارَةَ وَالْعِبَادَةَ ، فَلَمْ يَجْتَمِعَا ، 338 فَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ ، وَلَزِمْتُ الْعِبَادَةَ .
قُلْتُ : الْأَفْضَلُ جَمْعُ الْأَمْرَيْنِ مَعَ الْجِهَادِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ، هُوَ طَرِيقُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالصُّوفِيَّةِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَمْزِجَةَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ ، فَبَعْضُهُمْ يَقْوَى عَلَى الْجَمْعِ ، كَالصِّدِّيقِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَمَا كَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ; وَبَعْضُهُمْ يَعْجَزُ ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقْوَى فِي بِدَايَتِهِ ، ثُمَّ يَعْجَزُ ، وَبِالْعَكْسِ ; وَكُلٌّ سَائِغٌ . وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنَ النَّهْضَةِ بِحُقُوقِ الزَّوْجَةِ وَالْعِيَالِ .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَسْلَمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ ، ثُمَّ شَهِدَ أُحُدًا ، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَئِذَ أَنْ يَرُدَّ مَنْ عَلَى الْجَبَلِ ، فَرَدَّهُمْ وَحْدَهُ . وَكَانَ قَدْ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ قَلِيلًا .
قَالَ شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيُّ : لَمَّا هُزِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ ، ۝ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ فَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي النَّاسِ ، فَلَمَّا أَظَلَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ فَوْقِهِمْ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اللَّهُمَّ ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُوَنَا فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ ، وَانْتَدَبُوا ، وَفِيهِمْ عُوَيْمِرُ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، حَتَّى أَدْحَضُوهُمْ عَنْ مَكَانِهِمْ ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَوْمَئِذٍ حَسَنَ الْبَلَاءِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ۝ نِعْمَ الْفَارِسُ عُوَيْمِرٌ ! . 339
وَقَالَ : ۝ حَكِيمُ أُمَّتِي عُوَيْمِرٌ .
هَذَا رَوَاهُ يَحْيَى الْبَابْلُتِّيُّ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ شُرَيْحٍ .
ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، وَثُمَامَةُ ، عَنْ أَنَسٍ : مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ : أَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَمُعَاذٌ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو زَيْدٍ .
وَقَالَ زَكَرِيَّا ، وَابْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ سِتَّةٌ ، وَهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ : مُعَاذٌ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَزَيْدٌ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، وَأُبَيٌّ ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ .
وَكَانَ بَقِيَ عَلَى مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ سُورَةٌ أَوْ سُورَتَانِ ، حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 340
إِسْمَاعِيلُ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : ۝ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدْ أَخَذَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً ، يَعْنِي مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَعَلَّمَ بَقِيَّتَهُ مِنْ مُجَمِّعٍ ، وَلَمْ يَجْمَعْ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْقُرْآنَ غَيْرُ عُثْمَانَ .
قَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ : ۝ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنْ آخِرِ الْأَنْصَارِ إِسْلَامًا وَكَانَ يَعْبُدُ صَنَمًا ، فَدَخَلَ ابْنُ رَوَاحَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بَيْتَهُ ، فَكَسَرَا صَنَمَهُ ، فَرَجَعَ فَجَعَلَ يَجْمَعُ الصَّنَمَ ، وَيَقُولُ : وَيْحَكَ! هَلَّا امْتَنَعْتَ! أَلَا دَفَعْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟! ، فَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ : لَوْ كَانَ يَنْفَعُ أَوْ يَدْفَعُ عَنْ أَحَدٍ ، دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَنَفَعَهَا ! .
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَعِدِّي لِي مَاءً فِي الْمُغْتَسَلِ . فَاغْتَسَلَ ، وَلَبِسَ حُلَّتَهُ ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ رَوَاحَةَ مُقْبِلًا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَمَا أَرَاهُ إِلَّا جَاءَ فِي طَلَبِنَا ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا جَاءَ لِيُسْلِمَ ، إِنَّ رَبِّي وَعَدَنِي بِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَنْ يُسْلِمَ .
رَوَى مِنْ قَوْلِهِ : " وَكَانَ يَعْبُدُ . . . إِلَى آخِرِهِ " مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ .
وَرَوَى مِنْهُ ، أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرٍ ، عَنْ 341 أَبِي الدَّرْدَاءِ : قَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي إِسْلَامَ أَبِي الدَّرْدَاءِ . فَأَسْلَمَ .
وَرَوَى أَبُو مُسْهِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَسْلَمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَشَهِدَ أُحُدًا . وَفَرَضَ لَهُ عُمَرُ فِي أَرْبَعِ مِائَةٍ - يَعْنِي فِي الشَّهْرِ- أَلْحَقَهُ فِي الْبَدَرِيِّينَ .
وَقَالَ الْوَاقِدَيُّ : قِيلَ : لَمْ يَشْهَدْ أُحُدًا .
سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَكْحُولٍ : كَانَتِ الصَّحَابَةُ يَقُولُونَ : أَرْحَمُنَا بِنَا أَبُو بَكْرٍ ; وَأَنْطَقُنَا بِالْحَقِّ عُمَرُ ; وَأَمِينُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ ; وَأَعْلَمُنَا بِالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ مُعَاذٌ ; وَأَقْرَؤُنَا أُبَيٌّ ، وَرَجُلٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَتَبِعَهُمْ عُوَيْمِرٌ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِالْعَقْلِ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ الصَّحَابَةُ يَقُولُونَ : أَتْبَعُنَا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ أَبُو الدَّرْدَاءِ .
وَرَوَى عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ; فَجَاءَهُ سَلْمَانُ يَزُورُهُ ، فَإِذَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةٌ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ : إِنَّ أَخَاكَ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ، يَقُومُ اللَّيْلَ ، وَيَصُومُ النَّهَارَ . فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، فَرَحَّبَ بِهِ ، وَقَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا . فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : كُلْ . قَالَ : إِنِّي صَائِمٌ . قَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ . فَأَكَلَ مَعَهُ . ثُمَّ بَاتَ عِنْدَهُ ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ ، أَرَادَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنْ يَقُومَ ، فَمَنَعَهُ سَلْمَانُ وَقَالَ : 342 إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا . وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا . وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ; صُمْ ، وَأَفْطِرْ ، وَصَلَّ ، وَائْتِ أَهْلَكَ ، وَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ .
فَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ ، قَالَ : قُمِ الْآنَ إِنْ شِئْتَ ; فَقَامَا ، فَتَوَضَّآ ، ثُمَّ رَكَعَا ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ ، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيُخْبِرَ رَسُولَ اللَّهِ بِالَّذِي أَمْرَهُ سَلْمَانُ . فَقَالَ لَهُ : يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ ، إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، مِثْلَ مَا قَالَ لَكَ سَلْمَانُ
.
الْبَابْلُتِّيُّ : حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ : حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لَوْ أُنْسِيتُ آيَةً لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُذَكِّرُنِيهَا إِلَّا رَجُلًا بِبَرْكِ الْغِمَادِ ، رَحَلْتُ إِلَيْهِ .
الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : سَلُونِي ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَقَدْتُمُونِي لَتَفْقِدُنَّ رَجُلًا عَظِيمًا مِنْ أَمَةِ مُحَمَّدٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
رَبِيعَةُ الْقَصِيرُ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمِيرَةَ ، قَالَ : لَمَّا حَضَرَتْ مُعَاذًا الْوَفَاةُ ، قَالُوا : أَوْصِنَا . فَقَالَ : الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ مَكَانَهُمَا ، مَنِ ابْتَغَاهُمَا وَجَدَهُمَا . - قَالَهَا ثَلَاثًا- فَالْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ : عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي 343 الدَّرْدَاءِ ، وَسَلْمَانَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، الَّذِي كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ .
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : عُلَمَاءُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ : وَاحِدٌ بِالْعِرَاقِ ، وَآخَرُ بِالشَّامِ - يَعْنِي : أَبَا الدَّرْدَاءِ - وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى الَّذِي بِالْعِرَاقِ - يَعْنِي : نَفْسُهُ- وَهُمَا يَحْتَاجَانِ إِلَى الَّذِي بِالْمَدِينَةِ ، يَعْنِي : عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَرِيِّ ، قَالَ : قَالَ أَبُو ذَرٍّ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ : مَا حَمَلَتْ وَرْقَاءُ ، وَلَا أَظَلَّتْ خَضْرَاءُ ، أَعْلَمَ مِنْكَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ .
مَنْصُورٌ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : وَجَدْتُ عِلْمَ الصَّحَابَةِ انْتَهَى إِلَى سِتَّةٍ : عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأُبَيٍّ ، وَزَيْدٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ; ثُمَّ انْتَهَى عِلْمُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ .
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : حَدِّثُونَا عَنِ الْعَاقِلَيْنِ . فَيُقَالُ : مَنِ الْعَاقِلَانِ ؟ فَيَقُولُ : مُعَاذٌ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ . 344
وَرَوَى سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : جَمَعَ الْقُرْآنَ خَمْسَةٌ : مُعَاذٌ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأُبَيٌّ ، وَأَبُو أَيُّوبَ . فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ ، كَتَبَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ : إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَدْ كَثُرُوا ، وَمَلَئُوا الْمَدَائِنَ ، وَاحْتَاجُوا إِلَى مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ . فَأَعِنِّي بِرِجَالٍ يُعَلِّمُونَهُمْ . فَدَعَا عُمَرُ الْخَمْسَةَ ; فَقَالَ : إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدِ اسْتَعَانُونِي مَنْ يَعْلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ ، وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ ، فَأَعِينُونِي يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ بِثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ إِنْ أَحْبَبْتُمْ ، وَإِنِ انْتُدِبَ ثَلَاثَةٌ مِنْكُمْ فَلْيَخْرُجُوا .
فَقَالُوا : مَا كُنَّا لِنَتَسَاهَمَ ، هَذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ - لِأَبِي أَيُّوبَ- وَأَمَّا هَذَا فَسَقِيمٌ - لِأُبَيٍّ - فَخَرَجَ مُعَاذٌ ، وَعُبَادَةُ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ .
فَقَالَ عُمَرُ : ابْدَءُوا بِحِمْصَ ، فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ النَّاسَ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ ، مِنْهُمْ مَنْ يَلْقَنُ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ ، فَوَجِّهُوا إِلَيْهِ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ ، فَإِذَا رَضِيتُمْ مِنْهُمْ ، فَلْيَقُمْ بِهَا وَاحِدٌ ، وَلِيَخْرُجَ وَاحِدٌ إِلَى دِمَشْقَ ، وَالْآخِرُ إِلَى فِلَسْطِينَ . قَالَ : فَقَدِمُوا حِمْصَ فَكَانُوا بِهَا ; حَتَّى إِذَا رَضُوا مِنَ النَّاسِ أَقَامَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ; وَخَرَجَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى دِمَشْقَ ، وَمُعَاذٌ إِلَى فِلَسْطِينَ ، فَمَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ . ثُمَّ صَارَ عُبَادَةُ بَعْدُ إِلَى فِلَسْطِينَ وَبِهَا مَاتَ . وَلَمْ يَزَلْ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ حَتَّى مَاتَ .
345
الْأَحْوَصُ بْنُ حَكِيمٍ : عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : بَلَغَ عُمَرُ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، ابْتَنَى كَنِيفًا بِحِمْصَ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ : يَا عُوَيْمِرُ ، أَمَا كَانَتْ لَكَ كِفَايَةٌ فِيمَا بَنَتِ الرُّومُ عَنْ تَزْيِينِ الدُّنْيَا ، وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ بِخَرَابِهَا . فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي ، فَانْتَقِلْ إِلَى دِمَشْقَ .
مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، إِذَا قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ ، ثُمَّ أَدْبَرَا عَنْهُ ، نَظَرَ إِلَيْهِمَا ، فَقَالَ : ارْجِعَا إِلَيَّ ، أَعِيدَا عَلَيَّ قَضِيَّتَكُمَا .
مَعْمَرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : كَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ : سَلَامٌ عَلَيْكَ . أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ، أَبْغَضَهُ اللَّهُ ; فَإِذَا أَبْغَضَهُ اللَّهُ ، بَغَّضَهُ إِلَى عِبَادِهِ .
وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : إِنِّي لَآمُرُكُمْ بِالْأَمْرِ وَمَا أَفْعَلُهُ ، وَلَكِنْ لَعَلَّ اللَّهَ يَأْجُرُنِي فِيهِ .
شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ : مَا هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَحْسَبُهُ حَبْسَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى أُصِيبَ . 346
سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ : قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ : اعْدُدْ مَنْ فِي مَجْلِسِنَا . قَالَ : فَجَاءُوا أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَنَيِّفًا . فَكَانُوا يَقْرَءُونَ وَيَتَسَابَقُونَ عَشَرَةً عَشَرَةً ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ ، انْفَتَلَ وَقَرَأَ جُزْءًا ; فَيُحْدِقُونَ بِهِ يَسْمَعُونَ أَلْفَاظَهُ . وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ مُقَدَّمًا فِيهِمْ .
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُصَلِّي ، ثُمَّ يُقْرِئُ وَيَقْرَأُ ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ الْقِيَامَ ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ مِنْ وَلِيمَةٍ أَوْ عَقِيقَةٍ نَشْهَدُهَا ؟ فَإِنْ قَالُوا : نَعَمْ ، وَإِلَّا قَالَ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي صَائِمٌ . وَهُوَ الَّذِي سَنَّ هَذِهِ الْحِلَقَ لِلْقِرَاءَةِ .
قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعَلَمَ .
أَبُو الضُّحَى ; عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : شَامَمْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدْتُ عِلْمَهُمُ انْتَهَى إِلَى عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَمُعَاذٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . .
وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ ، الَّذِينَ يَشْفُونَ مِنَ الدَّاءِ . 347
وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ رَجُلٍ عَنْ آخَرَ : رَأَيْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَهُ مِنَ الْأَتْبَاعِ مِثْلُ السُّلْطَانِ : فَمِنْ سَائِلٍ عَنْ فَرِيضَةٍ ، وَمِنْ سَائِلٍ عَنْ حِسَابٍ ، وَسَائِلٍ عَنْ حَدِيثٍ ، وَسَائِلٍ عَنْ مُعْضِلَةٍ ، وَسَائِلٍ عَنْ شِعْرٍ .
قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الْقَصِيرُ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ لَا هَكَذَا ، وَإِلَّا فَكَشَكْلِهِ .
مَنْصُورٌ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ ، وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ ! تَعَلَّمُوا ، فَإِنَّ الْعَالِمَ وَالْمُتَعَلِّمَ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ .
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلٍ : لَنْ تَكُونَ عَالِمًا حَتَّى تَكُونَ مُتَعَلِّمًا ، وَلَا تَكُونُ مُتَعَلِّمًا حَتَّى تَكُونَ بِمَا عَلَّمْتَ عَامِلًا ; إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ إِذَا وَقَفْتُ لِلْحِسَابِ أَنْ يُقَالَ لِي : مَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ ؟ .
جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَيْلٌ لِلَّذِي لَا يَعْلَمُ مَرَّةً ، وَوَيْلٌ لِلَّذِي يَعْلَمُ وَلَا يَعْمَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ . 348
ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : قُلْتُ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ : أَيُّ عِبَادَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانَتْ أَكْثَرَ ؟ قَالَتْ : التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ .
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ .
عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ، عَنِ ابْنِ حَلْبَسٍ : قِيلَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ - وَكَانَ لَا يَفْتُرُ مِنَ الذِّكْرِ- : كَمْ تُسَبَّحُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ؟ قَالَ : مِائَةُ أَلْفٍ ، إِلَّا أَنْ تُخْطِئَ الْأَصَابِعُ .
الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، قَالَ : بَيْنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ لَهُ ، إِذْ سَمِعْتُ فِي الْقِدْرِ صَوْتًا يَنْشُجُ ، كَهَيْئَةِ صَوْتِ الصَّبِيِّ ، ثُمَّ انْكَفَأَتِ الْقِدْرُ ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا ، لَمْ يَنْصَبَّ مِنْهَا شَيْءٌ . فَجَعَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُنَادِي : يَا سَلْمَانُ ، انْظُرْ إِلَى مَا لَمْ تَنْظُرْ إِلَى مَثْلِهِ أَنْتَ وَلَا أَبُوكَ ! فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ ، لَسَمِعْتَ مِنْ آيَاتِ رَبِّكَ الْكُبْرَى .
الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ تَفْرِقَةِ الْقَلْبِ . قِيلَ : وَمَا تَفْرِقَةُ الْقَلْبِ ؟ قَالَ : أَنْ يُجْعَلَ لِي فِي كُلِّ وَادٍ مَالٌ . 349
رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : لَوْلَا ثَلَاثٌ مَا أَحْبَبْتُ الْبَقَاءَ : سَاعَةُ ظَمَأِ الْهَوَاجِرِ ، وَالسُّجُودُ فِي اللَّيْلِ ، وَمُجَالَسَةُ أَقْوَامٍ يَنْتَقُونَ جَيِّدَ الْكَلَامِ كَمَا يُنْتَقَى أَطَايِبُ الثَّمَرِ .
الْأَعْمَشُ ، عَنْ غَيْلَانَ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ الْوَلِيدِ ، قَالَ : لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَقُلْتُ : مَا تُحِبُّ لِمَنْ تُحِبُّ ؟ قَالَ : الْمَوْتُ . قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَمُتْ ؟ قَالَ : يَقِلُّ مَالُهُ وَوَلَدُهُ .
قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : ثَلَاثَةٌ أُحِبُّهُنَّ ، وَيَكْرَهُهُنَّ النَّاسُ : الْفَقْرُ ، وَالْمَرَضُ ، وَالْمَوْتُ . أَحِبُّ الْفَقْرَ تَوَاضُعًا لِرَبِّي ، وَالْمَوْتَ اشْتِيَاقًا لِرَبِّي ، وَالْمَرَضَ تَكْفِيرًا لِخَطِيئَتِي .
الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أُوجِعَتْ عَيْنُهُ حَتَّى ذَهَبَتْ ، فَقِيلَ لَهُ : لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ ؟ فَقَالَ : مَا فَرَغْتُ بَعْدُ مِنْ دُعَائِهِ لِذُنُوبِي ; فَكَيْفَ أَدْعُو لِعَيْنِي ؟ .
حُرَيْزُ بْنُ عُثْمَانَ : حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي 350 الدَّرْدَاءِ فَقَالَ : أَوْصِنِي . قَالَ : اذْكُرِ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ يَذْكُرُكَ فِي الضَّرَّاءِ ; وَإِذَا ذَكَرْتَ الْمَوْتَى ، فَاجْعَلْ نَفْسَكَ كَأَحَدِهِمْ ، وَإِذَا أَشْرَفَتْ نَفْسُكَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا ، فَانْظُرْ إِلَى مَا يَصِيرُ .
إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ : كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُقْرِئُ رَجُلًا أَعْجَمِيًّا : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ فَقَالَ : " طَعَامُ الْيَتِيمِ " فَرَدَّ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَهَا . فَقَالَ : قُلْ : طَعَامُ الْفَاجِرِ . فَأَقْرَأَهُ " طَعَامُ الْفَاجِرِ " .
مَنْصُورٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ : اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى ، وَإِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَلِيلًا يُغْنِيكَ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُلْهِيكَ ، وَأَنَّ الْبِرَّ لَا يَبْلَى ، وَأَنَّ الْإِثْمَ لَا يُنْسَى .
شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ : إِيَّاكَ وَدَعَوَاتِ الْمَظْلُومِ ; فَإِنَّهُنَّ يَصْعَدْنَ إِلَى اللَّهِ كَأَنَّهُنَّ شَرَارَاتٌ مِنْ نَارٍ .
وَرَوَى لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ : أَهْلُ الْأَمْوَالِ يَأْكُلُونَ وَنَأْكُلُ ، وَيَشْرَبُونَ وَنَشْرَبُ ، وَيَلْبَسُونَ وَنَلْبَسُ ، وَيَرْكَبُونَ وَنَرْكَبُ ، وَلَهُمْ فُضُولُ أَمْوَالٍ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا ، وَنَنْظُرُ إِلَيْهَا مَعَهُمْ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَيْهَا وَنَحْنُ مِنْهَا بُرَآءُ .
وَعَنْهُ ، قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَغْنِيَاءَ يَتَمَنَّوْنَ أَنَّهُمْ مِثْلُنَا عِنْدَ 351 الْمَوْتِ ، وَلَا نَتَمَنَّى أَنَّنَا مِثْلُهُمْ حِينَئِذٍ . مَا أَنْصَفَنَا إِخْوَانُنَا الْأَغْنِيَاءُ : يُحِبُّونَنَا عَلَى الدِّينِ ، وَيُعَادُونَنَا عَلَى الدُّنْيَا
.
رَوَاهُ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو الْحِمْصِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ .
وَرَوَى صَفْوَانُ ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : لَمَّا فُتِحَتْ قُبْرُسُ ، مُرَّ بِالسَّبْيِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَبَكَى ، فَقُلْتُ لَهُ : تَبْكِي فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ ؟ قَالَ : يَا جُبَيْرُ ، بَيْنَا هَذِهِ الْأُمَّةُ قَاهِرَةٌ ظَاهِرَةٌ إِذْ عَصَوُا اللَّهَ ، فَلَقُوا مَا تَرَى . مَا أَهْوَنَ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا هُمْ عَصَوْهُ .
بَقِيَّةٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، قَالَتْ : ۝ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَا يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلَّا تَبَسَّمَ ، فَقُلْتُ : إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُحَمِّقُكَ النَّاسُ . فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلَّا تَبَسَّمَ .
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ " .
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي قُدَامَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، قَالَتْ : كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ خَلِيلٍ فِي اللَّهِ . يَدْعُو لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ يَدْعُو لِأَخِيهِ فِي الْغَيْبِ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَقُولَانِ : وَلَكَ بِمِثْلٍ . أَفَلَا أَرْغَبُ أَنْ تَدْعُوَ لِي الْمَلَائِكَةُ . 352
وَقَالَ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : إِنَّا لَنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ .
قَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ : لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، جَعَلَ يَقُولُ : مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ يَوْمِي هَذَا ؟ مَنْ يَعْمَلُ لِمِثْلِ مَضْجَعِي هَذَا ؟ .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَعَالِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ : أَخْبَرَنَا الْفَتْحُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْقَاضِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّرَائِقِيُّ : قَالُوا : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْمُسْلِمَةِ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ : حَدَّثَنَا الْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَزِيدٍ ، قَالَ : ذُكِرَ الدَّجَّالُ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَقَالَ نَوْفٌ الْبَكَّالِيُّ إِنِّي لِغَيْرِ الدَّجَّالِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الدَّجَّالِ . فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : أَخَافُ أَنْ أُسْتَلَبَ إِيمَانِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ . فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَابْنَ الْكِنْدِيَّةِ ! وَهَلْ فِي 353 الْأَرْضِ خَمْسُونَ يَتَخَوَّفُونَ مَا تَتَخَوَّفُ ؟ ثُمَّ قَالَ : وَثَلَاثُونَ ، وَعِشْرُونَ ، وَعَشَرَةٌ ، وَخَمْسَةٌ . ثُمَّ قَالَ : وَثَلَاثَةٌ . كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَمِنَ عَبْدٌ عَلَى إِيمَانِهِ إِلَّا سُلِبَهُ ، أَوِ انْتُزِعَ مِنْهُ فَيَفْقِدُهُ . وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا الْإِيمَانُ إِلَّا كَالْقَمِيصِ يَتَقَمَّصُهُ مَرَّةً وَيَضَعُهُ أُخْرَى .
قَالَ الْوَاقِدِيُّ ، وَأَبُو مُسْهِرٍ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ : مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ .
وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، قَالَ : مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ .
فَهَذَا خَطَأٌ ، لِأَنَّ الثَّوْرِيَّ رَوَى عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ حُرَيْثِ بْنِ ظُهَيْرٍ ، قَالَ : لَمَّا جَاءَ نَعْيُ - يَعْنِي : ابْنَ مَسْعُودٍ - إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ بَعْدَهُ مِثْلُهُ! وَوَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ فِي سَنَةِ 32 .
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
وَقِيلَ : الَّذِينَ فِي حَلْقَةِ إِقْرَاءِ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانُوا أَزْيَدَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ ، وَلِكُلِّ عَشَرَةٍ مِنْهُمْ مُلَقِّنٌ ، وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ قَائِمًا ، فَإِذَا أَحْكَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ ، تُحُوِّلَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ - يَعْنِي يُعْرَضُ عَلَيْهِ .
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ : مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ قَلَّ فَرَحُهُ ، وَقَلَّ حَسَدُهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith