تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 966 · printed p. 587
( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 ) )
يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ ، بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَزْوَاجًا مِنْ جِنْسِهِمْ وَشِكْلِهِمْ [ وَزِيِّهِمْ ] وَلَوْ جَعَلَ الْأَزْوَاجَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ لَمَا حَصَلَ ائْتِلَافٌ وَمَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ ، وَلَكِنْ مِنْ رَحْمَتِهِ خَلَقَ مِنْ بَنِي آدَمَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا ، وَجَعَلَ الْإِنَاثَ أَزْوَاجًا لِلذُّكُورِ .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ مِنَ الْأَزْوَاجِ الْبَنِينَ وَالْحَفَدَةَ ، وَهُمْ أَوْلَادُ الْبَنِينَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَابْنُ زَيْدٍ .
قَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ أَبَى بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) هُمُ الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ .
وَقَالَ سُنَيْدٌ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَنُوكَ حِينَ يَحْفِدُونَكَ وَيَرْفِدُونَكَ وَيُعِينُونَكَ وَيَخْدِمُونَكَ . قَالَ جَمِيلٌ :
﴿﴾ حَفَدَ الْوَلَائِدُ حَوْلَهُنَّ وَأَسْلَمَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ بأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةَ الْأَجْمَالِ ﴿﴾ 587
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( بَنِينَ وَحَفَدَةً ) ابْنَهُ وَخَادِمَهُ . وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ : الْحَفَدَةُ : الْأَنْصَارُ وَالْأَعْوَانُ وَالْخُدَّامُ .
وَقَالَ طَاوُسٌ : الْحَفَدَةُ : الْخَدَمُ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ ، وَأَبُو مَالِكٍ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ : الْحَفَدَةُ : مَنْ خَدَمَكَ مِنْ وَلَدِكَ وَوَلَدِ وَلَدِكَ .
قَالَ الضَّحَّاكُ : إِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ يَخْدِمُهَا بَنُوهَا .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً ) يَقُولُ : بَنُو امْرَأَةِ الرَّجُلِ لَيْسُوا مِنْهُ . وَيُقَالُ : الْحَفَدَةُ : الرَّجُلُ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ ، يُقَالُ : فُلَانٌ يَحْفِدُ لَنَا قَالَ : وَيَزْعُمُ رِجَالٌ أَنَّ الْحَفَدَةَ أَخْتَانُ الرَّجُلِ .
وَهَذَا [ الْقَوْلُ ] الْأَخِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمَسْرُوقٌ ، وَأَبُو الضُّحَى ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْقُرَظِيُّ . وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُمُ الْأَصْهَارُ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي مَعْنَى : " الْحَفْدِ " وَهُوَ الْخِدْمَةُ ، الَّذِي مِنْهُ قَوْلُهُ فِي الْقُنُوتِ : " وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ " وَلَمَّا كَانَتِ الْخِدْمَةُ قَدْ تَكُونُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَصْهَارِ وَالْخَدَمِ فَالنِّعْمَةُ حَاصِلَةٌ بِهَذَا كُلِّهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً )
قُلْتُ : فَمَنْ جَعَلَ ) وَحَفَدَةً ) مُتَعَلِّقًا بِأَزْوَاجِكُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَوْلَادَ ، وَأَوْلَادَ الْأَوْلَادِ ، وَالْأَصْهَارَ ; لِأَنَّهُمْ أَزْوَاجُ الْبَنَاتِ ، وَأَوْلَادُ الزَّوْجَةِ ، وَكَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ فَإِنَّهُمْ غَالِبًا يَكُونُونَ تَحْتَ كَنَفِ الرَّجُلِ وَفِي حِجْرِهِ وَفِي خِدْمَتِهِ . وَقَدْ يَكُونُ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ [ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ ] وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ بَصْرَةَ بْنِ أَكْثَمَ : ۝ " وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَكَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْحَفَدَةُ هُمُ الْخَدَمُ فَعِنْدَهُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أَيْ : وَجَعَلَ لَكُمُ الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ .
( وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ) مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَةِ الْمُنْعِمِ غَيْرَهُ : ( أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ ) وَهُمُ : الْأَصْنَامُ وَالْأَنْدَادُ ، ( وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ) أَيْ : يَسْتُرُونَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَيُضِيفُونَهَا إِلَى غَيْرِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : ۝ " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُمْتَنًّا عَلَيْهِ " أَلَمْ أُزَوِّجْكَ ؟ أَلَمْ 588 أُكْرِمْكَ ؟ أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرَأَّسُ وَتَرَبَّعُ ؟ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith