تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 944 · printed p. 563
( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَسْخِيرِهِ الْبَحْرَ الْمُتَلَاطِمَ الْأَمْوَاجِ ، وَيَمْتَنُّ عَلَى عِبَادِهِ بِتَذْلِيلِهِ لَهُمْ ، وَتَيْسِيرِهِ لِلرُّكُوبِ فِيهِ ، وَجَعْلِهِ السَّمَكَ وَالْحِيتَانَ فِيهِ ، وَإِحْلَالِهِ لِعِبَادِهِ لَحْمَهَا حَيَّهَا وَمَيِّتَهَا ، فِي الْحَلِّ وَالْإِحْرَامِ وَمَا يَخْلُقُهُ فِيهِ مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ ، وَتَسْهِيلِهِ لِلْعِبَادِ اسْتِخْرَاجَهَا مِنْ قَرَارِهَا حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا ، وَتَسْخِيرِهِ الْبَحْرَ لِحَمْلِ السُّفُنِ الَّتِي تَمْخُرُهُ ، أَيْ : تَشُقُّهُ .
وَقِيلَ : تَمْخُرُ الرِّيَاحَ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ بِجُؤْجُئِهَا وَهُوَ صَدْرُهَا الْمُسَنَّمُ - الَّذِي أَرْشَدَ الْعِبَادَ إِلَى صَنْعَتِهَا ، وَهَدَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ ، إِرْثًا عَنْ أَبِيهِمْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ السُّفُنَ ، وَلَهُ كَانَ تَعْلِيمُ صَنْعَتِهَا ، ثُمَّ أَخَذَهَا النَّاسُ عَنْهُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ ، يَسِيرُونَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، وَبَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ ، تَجْلِبُ مَا هُنَا إِلَى هُنَالِكَ ، وَمَا هُنَالِكَ إِلَى هُنَا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أَيْ : نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ .
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْبَغْدَادِيِّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [ عُمَرَ ، عَنْ ] سُهَيْلِ بْنِ أَبَى صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَفَعَهُ ] قَالَ : ۝ كَلَّمَ اللَّهُ هَذَا الْبَحْرَ الْغَرْبِيَّ ، وَكَلَّمَ الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ ، فَقَالَ لِلْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ : إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي ، فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ فِيهِمْ ؟ قَالَ : أُغْرِقُهُمْ . فَقَالَ : بَأْسُكُ فِي نَوَاحِيكَ . وَأَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ . وَحَرَمَهُ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ . وَكَلَّمَ هَذَا الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ : إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي ، فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ ؟ فَقَالَ : أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدَيَّ ، وَأَكُونُ لَهُمْ كَالْوَالِدَةِ لِوَلَدِهَا . فَأَثَابَهُ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ . 563
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا نَعْلَمُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُهَيْلٍ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَوَاهُ سُهَيْلٌ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى الْأَرْضَ ، وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ وَالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ ، لِتَقِرَّ الْأَرْضُ وَلَا تَمِيدُ أَيْ : تَضْطَرِبُ بِمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا يَهْنَأُ لَهُمْ عَيْشٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) [ النَّازِعَاتِ : 32 ] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : لَمَّا خُلِقَتِ الْأَرْضُ كَانَتْ تَمِيدُ ، فَقَالُوا مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ خُلِقَتِ الْجِبَالُ ، لَمْ تَدْرِ الْمَلَائِكَةُ مِمَّ خُلِقَتِ الْجِبَالُ .
وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ ، جَعَلَتْ تَمُورُ ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : مَا هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدًا ، فَأَصْبَحَتْ صُبْحًا وَفِيهَا رَوَاسِيهَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ وَقَالَتْ : أَيْ رَبِّ ، تَجْعَلُ عَلَيَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا وَيَجْعَلُونَ عَلَيَّ الْخَبَثَ ؟ قَالَ : فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ ، فَكَانَ إِقْرَارُهَا كَاللَّحْمِ يَتَرَجْرَجُ . .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا ) أَيْ : وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا تَجْرِي مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ ، يَنْبُعُ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ رِزْقٌ لِأَهْلِ مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَيَقْطَعُ الْبِقَاعَ وَالْبَرَارِيَ وَالْقِفَارَ ، وَيَخْتَرِقُ الْجِبَالَ وَالْآكَامَ ، فَيَصِلُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي سُخِّرَ لِأَهْلِهِ . وَهِيَ سَائِرَةٌ فِي الْأَرْضِ يُمْنَةً وَيُسْرَةً ، وَجَنُوبًا وَشِمَالًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا ، مَا بَيْنَ صِغَارٍ وَكِبَارٍ ، وَأَوْدِيَةً تَجْرِي حِينًا وَتَنْقَطِعُ فِي وَقْتٍ ، وَمَا بَيْنَ نَبْعٍ وَجَمْعٍ ، 564 وَقَوِيِّ السَّيْرِ وَبَطِيئِهِ ، بِحَسَبِ مَا أَرَادَ وَقَدَّرَ ، وَسَخَّرَ وَيَسَّرَ فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ .
وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا أَيْ : طُرُقًا يُسْلَكُ فِيهَا مِنْ بِلَادٍ إِلَى بِلَادٍ ، حَتَّى إِنَّهُ تَعَالَى لَيَقْطَعُ الْجَبَلَ حَتَّى يَكُونَ مَا بَيْنَهُمَا مَمَرًّا وَمَسْلَكًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 31 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَعَلَامَاتٍ ) أَيْ : دَلَائِلَ مِنْ جِبَالٍ كِبَارٍ وَآكَامٍ صِغَارٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، يَسْتَدِلُّ بِهَا الْمُسَافِرُونَ برًا وَبَحْرًا إِذَا ضَلُّوا الطَّرِيقَ [ بِالنَّهَارِ ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) أَيْ : فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَعَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَعَلَامَاتٍ ) يَقُولُونَ : النُّجُومُ ، وَهِيَ الْجِبَالُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى عَظَمَتِهِ ، وَأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ ، الَّتِي لَا تَخْلُقُ شَيْئًا بَلْ هُمْ يُخْلَقُونَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ )
ثُمَّ نَبَّهَهُمْ عَلَى كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) أَيْ : يَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ ، وَلَوْ طَالَبَكُمْ بِشُكْرِ جَمِيعِ نِعَمِهِ لَعَجَزْتُمْ عَنِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ ، وَلَوْ أَمَرَكُمْ بِهِ لَضَعُفْتُمْ وَتَرَكْتُمْ ، وَلَوْ عَذَّبَكُمْ لَعَذَّبَكُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَكُمْ ، وَلَكِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، يَغْفِرُ الْكَثِيرَ ، وَيُجَازِي عَلَى الْيَسِيرِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِيرٍ فِي شُكْرِ بَعْضِ ذَلِكَ ، إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ ، ( رَحِيمٌ ) بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبَكُمْ ، [ أَيْ ] : بَعْدَ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith