تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 903 · printed p. 511
511 ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ( 32 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ( 33 ) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ( 34 ) )
يُعَدِّدُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى خَلْقِهِ ، بِأَنْ خَلَقَ لَهُمُ السَّمَاوَاتِ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَالْأَرْضَ فِرَاشًا ، وأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ، مَا بَيْنَ ثِمَارٍ وَزُرُوعٍ ، مُخْتَلِفَةِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ ، وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَالْمَنَافِعِ ، وَسَخَّرَ الْفُلْكَ بِأَنْ جَعْلَهَا طَافِيَةً عَلَى تَيَّارِ مَاءِ الْبَحْرِ ، تَجْرِي عَلَيْهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَسَخَّرَ الْبَحْرَ يَحْمِلُهَا لِيَقْطَعَ الْمُسَافِرُونَ بِهَا مِنْ إِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ آخَرَ ، لِجَلْبِ مَا هُنَا إِلَى هُنَاكَ ، وَمَا هُنَاكَ إِلَى هَاهُنَا ، وَسَخَّرَ الْأَنْهَارَ تَشُقُّ الْأَرْضَ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ مَنْ شُرْبٍ وَسَقْيٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ .
( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ) أَيْ : يَسِيرَانِ لَا يُقِرَّانِ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا ، ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) [ يس : 40 ] ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 54 ] فَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَتَعَاقَبَانِ ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَارِضَانِ فَتَارَةً يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا فَيَطُولُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْآخَرُ مِنْ هَذَا فَيَقْصُرُ ، ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) [ لُقْمَانَ : 29 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) [ الزُّمَرِ : 5 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) يَقُولُ : هَيَّأَ لَكُمْ كُلَّ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ مِمَّا تَسْأَلُونَهُ بِحَالِكُمْ وَقَالِكُمْ .
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَمَا لَمْ تَسْأَلُوهُ .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " وَأَتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) يُخْبِرُ عَنْ عَجْزِ الْعِبَادِ عَنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ فَضْلًا عَنِ الْقِيَامِ بِشُكْرِهَا ، كَمَا قَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : إِنَّ حَقَّ اللَّهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهِ الْعِبَادُ ، وَإِنَّ نِعَمَ اللَّهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعِبَادُ ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وَأَمْسُوا تَوَّابِينَ . 512
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : ۝ " اللَّهُمَّ ، لَكَ الْحَمْدُ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُودَّعٍ ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ ، حَدَّثَنَا صَالِحٌ الْمُرْيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، ۝ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " يَخْرُجُ لِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ ، دِيوَانٌ فِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ ، وَدِيوَانٌ فِيهِ ذُنُوبُهُ ، وَدِيوَانٌ فِيهِ النِّعَمُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ . فَيَقُولُ اللَّهُ لِأَصْغَرِ نِعَمِهِ - أَحْسَبَهُ قَالَ فِي دِيوَانِ النِّعَمِ - خُذِي ثَمَنَكِ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ ، فَتَسْتَوْعِبُ عَمَلَهُ الصَّالِحَ كُلَّهُ ، ثُمَّ تَنَحَّى وَتَقُولُ : وَعِزَّتِكَ مَا اسْتَوْفَيْتُ . وَتَبْقَى الذُّنُوبُ وَالنِّعَمُ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَ قَالَ : يَا عَبْدِي ، قَدْ ضَاعَفْتُ لَكَ حَسَنَاتَكَ وَتَجَاوَزْتُ عَنْ سَيِّئَاتِكَ - أَحْسَبُهُ قَالَ : وَوَهَبْتُ لَكَ نِعَمِي - . غَرِيبٌ ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ : أَنَّ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ : يَا رَبِّ ، كَيْفَ أَشْكُرُكَ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ عَلَيَّ ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا دَاوُدُ ، أَيْ : حِينَ اعْتَرَفْتَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِ النِّعَمِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ ، إِلَّا بِنِعْمَةٍ تُوجِبُ عَلَى مُؤَدِّي مَاضِي نِعَمِهِ بِأَدَائِهَا نِعْمَةً حَادِثَةً تُوجِبُ عَلَيْهِ شُكْرَهُ بِهَا .
وَقَالَ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ :
﴿﴾ لَوْ كُلُّ جَارِحَةٍ مِنِّي لَهَا لُغَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ تُثْنِي عَلَيكَ بِمَا أَوْلَيتَ مِنْ حَسَنِ ﴿﴾ ﴿﴾ لَكَانَ مَا زَادَ شُكْرِي إِذْ شَكَرْتُ بِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَيْكَ أَبْلُغَ فِي الْإِحْسَانِ وَالْمِنَنِ ﴿﴾
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith