تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 756 · printed p. 303
303 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ( 1 ) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ( 2 ) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ( 3 ) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 4 ) )
قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ) أَيْ : هِيَ مُحْكَمَةٌ فِي لَفْظِهَا ، مُفَصَّلَةٌ فِي مَعْنَاهَا ، فَهُوَ كَامِلٌ صُورَةً وَمَعْنًى . هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْحَكِيمِ فِي أَقْوَالِهِ ، وَأَحْكَامِهِ ، الْخَبِيرِ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ .
( أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ) أَيْ : نَزَّلَ هَذَا الْقُرْآنَ الْمُحْكَمَ الْمُفَصِّلَ لِعِبَادَةِ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 25 ] ، قَالَ : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [ النَّحْلِ : 36 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) أَيْ : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مِنَ الْعَذَابِ إِنْ خَالَفْتُمُوهُ ، وَبَشِيرٌ بِالثَّوَابِ إِنْ أَطَعْتُمُوهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : أَنَّ ۝ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَعِدَ الصَّفَا ، فَدَعَا بُطُونَ قُرَيْشٍ الْأَقْرَبَ ثُمَّ الْأَقْرَبَ ، فَاجْتَمَعُوا ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تُصَبِّحُكُمْ ، أَلَسْتُمْ مُصَدِّقِيَ ؟ " فَقَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا . قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) أَيْ : وَآمُرُكُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ السَّالِفَةِ وَالتَّوْبَةِ مِنْهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَهُ ، وَأَنْ تَسْتَمِرُّوا عَلَى ذَلِكَ ، ( يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا ( إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) أَيْ : فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، كَقَوْلِهِ : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ النَّحْلِ : 97 ] ، 304 وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّ ۝ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِسَعْدٍ : " وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا ، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِ امْرَأَتِكَ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ شَرِيكٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) قَالَ : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ ، وَمَنْ عَمِلَ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ . فَإِنْ عُوقِبَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي كَانَ عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا بَقِيَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَإِنْ لَمْ يُعَاقَبْ بِهَا فِي الدُّنْيَا أُخِذَ مِنَ الْحَسَنَاتِ الْعَشْرِ وَاحِدَةٌ وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْعُ حَسَنَاتٍ . ثُمَّ يَقُولُ : هَلَكَ مَنْ غَلَبَ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) هَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ تَوَلَّى عَنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ ، فَإِنَّ الْعَذَابَ يَنَالُهُ يَوْمَ مَعَادِهِ لَا مَحَالَةَ ، ( إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ) أَيْ : مَعَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) أَيْ : وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَانْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ ، وَإِعَادَةِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا مَقَامُ التَّرْهِيبِ ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ مَقَامُ تَرْغِيبٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith