تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( 37 ) )
هَذَا مِمَّا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي شَرْعِ اللَّهِ بِآرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ ، وَتَغْيِيرِهِمْ أَحْكَامَ اللَّهِ بِأَهْوَائِهِمُ الْبَارِدَةِ ، وَتَحْلِيلِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، فَإِنَّهُمْ كَانَ فِيهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَالشَّهَامَةِ وَالْحَمِيَّةِ مَا اسْتَطَالُوا بِهِ مُدَّةَ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ فِي التَّحْرِيمِ الْمَانِعِ لَهُمْ مِنْ قَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ مِنْ قِتَالِ أَعْدَائِهِمْ ، فَكَانُوا قَدْ أَحْدَثُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِمُدَّةٍ تَحْلِيلَ الْمُحَرَّمِ وَتَأْخِيرَهُ إِلَى صَفَرٍ ، فَيُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، وَيُحَرِّمُونَ الشَّهْرَ الْحَلَالَ ، لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ - وَهُوَ عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَعْرُوفُ - بِجِذْلِ الطِّعَانِ :
﴿﴾ لَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي ﴿﴾ ﴿﴾ كِرَامُ النَّاسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامًا ﴿﴾ ﴿﴾ أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ﴿﴾ ﴿﴾ شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَيُّ النَّاسِ لَمْ نُدْرِكَ بِوِتْرٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ نُعْلِكَ لِجَامًا ﴿﴾ 151 قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) قَالَ : النَّسِيءُ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيَّ كَانَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَكَانَ يُكَنَّى " أَبَا ثُمَامَةَ " ، فَيُنَادِي : أَلَا إِنَّ أَبَا ثُمَامَةَ لَا يُحَابُ وَلَا يُعَابُ ، أَلَا وَإِنَّ صَفَرَ الْعَامَ الْأَوَّلَ حَلَالٌ . فَيَحِلُّهُ لِلنَّاسِ ، فَيُحَرِّمُ صَفَرًا عَامًا ، وَيُحَرِّمُ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) [ إِلَى قَوْلِهِ : ( الْكَافِرِينَ ) وَقَوْلُهُ ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) ] يَقُولُ : يَتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، وَعَامًا يُحَرِّمُونَهُ .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ .
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يَأْتِي كُلَّ عَامٍ إِلَى الْمَوْسِمِ عَلَى حِمَارٍ لَهُ ، فَيَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي لَا أُعَابُ وَلَا أُحَابُ ، وَلَا مَرَدَّ لِمَا أَقُولُ ، إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا الْمُحَرَّمَ ، وَأَخَّرْنَا صَفَرًا . ثُمَّ يَجِيءُ الْعَامُ الْمُقْبِلُ بَعْدَهُ فَيَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، وَيَقُولُ : إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا صَفَرًا ، وَأَخَّرْنَا الْمُحَرَّمَ . فَهُوَ قَوْلُهُ : ( لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) قَالَ : يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ ( فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) لِتَأْخِيرِ هَذَا الشَّهْرِ الْحَرَامِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وقَتَادَةَ نَحْوَ هَذَا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ : " الْقَلَمَّسُ " ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، يَلْقَى الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَلَا يَمُدُّ إِلَيْهِ يَدَهُ ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ قَالَ : اخْرُجُوا بِنَا ، قَالُوا لَهُ : هَذَا الْمُحَرَّمُ ! قَالَ : نَنْسَئُهُ الْعَامَ ، هُمَا الْعَامُ صَفَرَانِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ قَضَيْنَا جَعَلْنَاهُمَا مُحَرَّمَيْنِ . قَالَ : فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ قَابِلٍ قَالَ : لَا تَغْزُوا فِي صَفَرٍ ، حَرِّمُوهُ مَعَ الْمُحَرَّمِ ، هُمَا مُحَرَّمَانِ .
فَهَذِهِ صِفَةٌ غَرِيبَةٌ فِي النَّسِيءِ ، وَفِيهَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي عَامٍ إِنَّمَا يُحَرِّمُونَ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ ، وَفِي الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ يُحَرِّمُونَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ صِفَةٌ أُخْرَى غَرِيبَةٌ أَيْضًا ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) الْآيَةَ ، قَالَ : فَرَضَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ . قَالَ : وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الْأَشْهُرَ ذَا الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمَ ، وَصَفَرًا ، وَرَبِيعَ ، وَرَبِيعَ ، وَجُمَادَى ، وَجُمَادَى ، وَرَجَبًا ، وَشَعْبَانَ ، وَرَمَضَانَ ، وَشَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ . وَذَا الْحِجَّةِ يَحُجُّونَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ الْمُحَرَّمِ وَلَا يَذْكُرُونَهُ ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيُسَمُّوَنَ صَفَرًا صَفَرًا ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَجَبًا جُمَادَى الْآخِرَةَ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبَانَ رَمَضَانَ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَوَّالًا رَمَضَانَ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْقَعْدَةِ شَوَّالًا 152 ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدَةِ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ ذَا الْحِجَّةِ ، فَيَحُجُّونَ فِيهِ ، وَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ ذُو الْحِجَّةِ ، ثُمَّ عَادُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ ، حَتَّى وَافَقَ حَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ الْآخِرُ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّتَهُ الَّتِي حَجَّ ، فَوَافَقَ ذَا الْحِجَّةِ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا ، وَكَيْفَ تَصِحُّ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، وَأَنَّى هَذَا ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ : 3 ] ، وَإِنَّمَا نُودِيَ بِذَلِكَ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي ذِي الْحِجَّةِ لَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِمُ النَّسِيءَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ - مِنْ دَوَرَانِ السَّنَةِ عَلَيْهِمْ وَحَجِّهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ - فَإِنَّ النَّسِيءَ حَاصِلٌ بِدُونِ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يُحِلُّونَ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ عَامًا يُحَرِّمُونَ عِوَضَهُ صَفَرٌ ، وَبَعْدَهُ رَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِ [ السَّنَةِ وَالسَّنَةُ بِحَالِهَا عَلَى نِظَامِهَا وَعِدَّتِهَا وَأَسْمَاءِ شُهُورِهَا ثُمَّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ وَيَتْرُكُونَهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَبَعْدَهُ صَفَرٌ ، وَرَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِهَا ] فَيُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ؛ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، أَيْ : فِي تَحْرِيمِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَارَةً يُقَدِّمُونَ تَحْرِيمَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَوَالِيَةِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ ، وَتَارَةً يَنْسَئُونَهُ إِلَى صَفَرٍ ، أَيْ : يُؤَخِّرُونَهُ . وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ : ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَرَجَبُ مُضَرَ ، أَيْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي عِدَّةِ الشُّهُورِ وَتَحْرِيمِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْهَا ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالتَّوَالِي ، لَا كَمَا يَعْتَمِدُهُ جَهَلَةُ الْعَرَبِ ، مِنْ فَصْلِهِمْ تَحْرِيمَ بَعْضِهَا بِالنَّسِيءِ عَنْ بَعْضٍ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ بِشْرِ بْنِ سَلَمَةَ الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَقَبَةِ ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ : " وَإِنَّمَا النَّسِيءُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا " . فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، وَيَسْتَحِلُّونَ صَفَرًا وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ ، وَهُوَ النَّسِيءُ .
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ " السِّيرَةِ " كَلَامًا جَيِّدًا وَمُفِيدًا حَسَنًا ، فَقَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَسَأَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ ، فَأَحَلَّ مِنْهَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَحَرَّمَ مِنْهَا مَا أَحَلَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - " الْقَلَمَّسُ " ، وَهُوَ : حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ مُدْرِكَةَ فُقَيْمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ 153 كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نَزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبَّادٌ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ عَبَّادٍ ابْنُهُ قَلَعُ بْنُ عَبَّادٍ ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ بْنُ قَلَعٍ ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ ، ثُمَّ ابْنُهُ أَبُو ثُمَامَةَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ آخِرَهُمْ ، وَعَلَيْهِ قَامَ الْإِسْلَامُ . فَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَجِّهَا اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا ، فَحَرَّمَ رَجَبًا ، وَذَا الْقَعْدَةِ ، وَذَا الْحِجَّةِ ، وَيُحِلُّ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، وَيَجْعَلُ مَكَانَهُ صَفَرًا ، وَيُحَرِّمُهُ عَامًا لِيُوَاطِئَ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيُحِلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، يَعْنِي : وَيُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ .
هَذَا مِمَّا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي شَرْعِ اللَّهِ بِآرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ ، وَتَغْيِيرِهِمْ أَحْكَامَ اللَّهِ بِأَهْوَائِهِمُ الْبَارِدَةِ ، وَتَحْلِيلِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَتَحْرِيمِهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، فَإِنَّهُمْ كَانَ فِيهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ وَالشَّهَامَةِ وَالْحَمِيَّةِ مَا اسْتَطَالُوا بِهِ مُدَّةَ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ فِي التَّحْرِيمِ الْمَانِعِ لَهُمْ مِنْ قَضَاءِ أَوْطَارِهِمْ مِنْ قِتَالِ أَعْدَائِهِمْ ، فَكَانُوا قَدْ أَحْدَثُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِمُدَّةٍ تَحْلِيلَ الْمُحَرَّمِ وَتَأْخِيرَهُ إِلَى صَفَرٍ ، فَيُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ ، وَيُحَرِّمُونَ الشَّهْرَ الْحَلَالَ ، لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ كَمَا قَالَ شَاعِرُهُمْ - وَهُوَ عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْمَعْرُوفُ - بِجِذْلِ الطِّعَانِ :
﴿﴾ لَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أَنَّ قَوْمِي ﴿﴾ ﴿﴾ كِرَامُ النَّاسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامًا ﴿﴾ ﴿﴾ أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ ﴿﴾ ﴿﴾ شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَيُّ النَّاسِ لَمْ نُدْرِكَ بِوِتْرٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ نُعْلِكَ لِجَامًا ﴿﴾ 151 قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) قَالَ : النَّسِيءُ أَنَّ جُنَادَةَ بْنَ عَوْفِ بْنِ أُمَيَّةَ الْكِنَانِيَّ كَانَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَكَانَ يُكَنَّى " أَبَا ثُمَامَةَ " ، فَيُنَادِي : أَلَا إِنَّ أَبَا ثُمَامَةَ لَا يُحَابُ وَلَا يُعَابُ ، أَلَا وَإِنَّ صَفَرَ الْعَامَ الْأَوَّلَ حَلَالٌ . فَيَحِلُّهُ لِلنَّاسِ ، فَيُحَرِّمُ صَفَرًا عَامًا ، وَيُحَرِّمُ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) [ إِلَى قَوْلِهِ : ( الْكَافِرِينَ ) وَقَوْلُهُ ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) ] يَقُولُ : يَتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، وَعَامًا يُحَرِّمُونَهُ .
وَرَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ .
وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يَأْتِي كُلَّ عَامٍ إِلَى الْمَوْسِمِ عَلَى حِمَارٍ لَهُ ، فَيَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي لَا أُعَابُ وَلَا أُحَابُ ، وَلَا مَرَدَّ لِمَا أَقُولُ ، إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا الْمُحَرَّمَ ، وَأَخَّرْنَا صَفَرًا . ثُمَّ يَجِيءُ الْعَامُ الْمُقْبِلُ بَعْدَهُ فَيَقُولُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ ، وَيَقُولُ : إِنَّا قَدْ حَرَّمْنَا صَفَرًا ، وَأَخَّرْنَا الْمُحَرَّمَ . فَهُوَ قَوْلُهُ : ( لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) قَالَ : يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ ( فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) لِتَأْخِيرِ هَذَا الشَّهْرِ الْحَرَامِ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وقَتَادَةَ نَحْوَ هَذَا .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) الْآيَةَ ، قَالَ : هَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ : " الْقَلَمَّسُ " ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ، يَلْقَى الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَلَا يَمُدُّ إِلَيْهِ يَدَهُ ، فَلَمَّا كَانَ هُوَ قَالَ : اخْرُجُوا بِنَا ، قَالُوا لَهُ : هَذَا الْمُحَرَّمُ ! قَالَ : نَنْسَئُهُ الْعَامَ ، هُمَا الْعَامُ صَفَرَانِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ قَضَيْنَا جَعَلْنَاهُمَا مُحَرَّمَيْنِ . قَالَ : فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ قَابِلٍ قَالَ : لَا تَغْزُوا فِي صَفَرٍ ، حَرِّمُوهُ مَعَ الْمُحَرَّمِ ، هُمَا مُحَرَّمَانِ .
فَهَذِهِ صِفَةٌ غَرِيبَةٌ فِي النَّسِيءِ ، وَفِيهَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي عَامٍ إِنَّمَا يُحَرِّمُونَ عَلَى هَذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ ، وَفِي الْعَامِ الَّذِي يَلِيهِ يُحَرِّمُونَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ صِفَةٌ أُخْرَى غَرِيبَةٌ أَيْضًا ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) الْآيَةَ ، قَالَ : فَرَضَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ . قَالَ : وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الْأَشْهُرَ ذَا الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمَ ، وَصَفَرًا ، وَرَبِيعَ ، وَرَبِيعَ ، وَجُمَادَى ، وَجُمَادَى ، وَرَجَبًا ، وَشَعْبَانَ ، وَرَمَضَانَ ، وَشَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ . وَذَا الْحِجَّةِ يَحُجُّونَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ الْمُحَرَّمِ وَلَا يَذْكُرُونَهُ ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيُسَمُّوَنَ صَفَرًا صَفَرًا ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَجَبًا جُمَادَى الْآخِرَةَ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبَانَ رَمَضَانَ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَوَّالًا رَمَضَانَ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْقَعْدَةِ شَوَّالًا 152 ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدَةِ ، ثُمَّ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ ذَا الْحِجَّةِ ، فَيَحُجُّونَ فِيهِ ، وَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ ذُو الْحِجَّةِ ، ثُمَّ عَادُوا بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَانُوا يَحُجُّونَ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ ، حَتَّى وَافَقَ حَجَّةَ أَبِي بَكْرٍ الْآخِرُ مِنَ الْعَامَيْنِ فِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّتَهُ الَّتِي حَجَّ ، فَوَافَقَ ذَا الْحِجَّةِ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُطْبَتِهِ : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا ، وَكَيْفَ تَصِحُّ حَجَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، وَأَنَّى هَذَا ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ) الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ : 3 ] ، وَإِنَّمَا نُودِيَ بِذَلِكَ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي ذِي الْحِجَّةِ لَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِمُ النَّسِيءَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ - مِنْ دَوَرَانِ السَّنَةِ عَلَيْهِمْ وَحَجِّهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَامَيْنِ - فَإِنَّ النَّسِيءَ حَاصِلٌ بِدُونِ هَذَا ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يُحِلُّونَ شَهْرَ الْمُحَرَّمِ عَامًا يُحَرِّمُونَ عِوَضَهُ صَفَرٌ ، وَبَعْدَهُ رَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِ [ السَّنَةِ وَالسَّنَةُ بِحَالِهَا عَلَى نِظَامِهَا وَعِدَّتِهَا وَأَسْمَاءِ شُهُورِهَا ثُمَّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ وَيَتْرُكُونَهُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَبَعْدَهُ صَفَرٌ ، وَرَبِيعٌ وَرَبِيعٌ إِلَى آخِرِهَا ] فَيُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ؛ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، أَيْ : فِي تَحْرِيمِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَارَةً يُقَدِّمُونَ تَحْرِيمَ الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَوَالِيَةِ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ ، وَتَارَةً يَنْسَئُونَهُ إِلَى صَفَرٍ ، أَيْ : يُؤَخِّرُونَهُ . وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ : ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَرَجَبُ مُضَرَ ، أَيْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي عِدَّةِ الشُّهُورِ وَتَحْرِيمِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْهَا ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالتَّوَالِي ، لَا كَمَا يَعْتَمِدُهُ جَهَلَةُ الْعَرَبِ ، مِنْ فَصْلِهِمْ تَحْرِيمَ بَعْضِهَا بِالنَّسِيءِ عَنْ بَعْضٍ ، واللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ بِشْرِ بْنِ سَلَمَةَ الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعَقَبَةِ ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ : " وَإِنَّمَا النَّسِيءُ مِنَ الشَّيْطَانِ ، زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا " . فَكَانُوا يُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، وَيَسْتَحِلُّونَ صَفَرًا وَيَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ ، وَهُوَ النَّسِيءُ .
وَقَدْ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ " السِّيرَةِ " كَلَامًا جَيِّدًا وَمُفِيدًا حَسَنًا ، فَقَالَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ نَسَأَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ ، فَأَحَلَّ مِنْهَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَحَرَّمَ مِنْهَا مَا أَحَلَّ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - " الْقَلَمَّسُ " ، وَهُوَ : حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ مُدْرِكَةَ فُقَيْمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ 153 كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نَزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُهُ عَبَّادٌ ثُمَّ مِنْ بَعْدِ عَبَّادٍ ابْنُهُ قَلَعُ بْنُ عَبَّادٍ ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ بْنُ قَلَعٍ ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ ، ثُمَّ ابْنُهُ أَبُو ثُمَامَةَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ آخِرَهُمْ ، وَعَلَيْهِ قَامَ الْإِسْلَامُ . فَكَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا فَرَغَتْ مِنْ حَجِّهَا اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا ، فَحَرَّمَ رَجَبًا ، وَذَا الْقَعْدَةِ ، وَذَا الْحِجَّةِ ، وَيُحِلُّ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، وَيَجْعَلُ مَكَانَهُ صَفَرًا ، وَيُحَرِّمُهُ عَامًا لِيُوَاطِئَ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيُحِلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، يَعْنِي : وَيُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith