تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 27 ) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) )
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ والزُّهْرِيُّ : أُنْزِلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَشَارُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ - أَيْ : إِنَّهُ الذَّبْحُ ، ثُمَّ فَطِنَ أَبُو لُبَابَةَ ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَحَلَفَ لَا يَذُوقُ ذَوَاقًا حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَانْطَلَقَ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ فِي سَارِيَةٍ مِنْهُ ، فَمَكَثَ 41 كَذَلِكَ تِسْعَةَ أَيَّامٍ ، حَتَّى كَانَ يَخِرُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْدِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ . فَجَاءَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَهُ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَحُلُّوهُ مِنَ السَّارِيَةِ ، فَحَلَفَ لَا يَحُلُّهُ مِنْهَا إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [ وَسَلَّمَ ] بِيَدِهِ ، فَحَلَّهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً ، فَقَالَ : يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أَنْ تَصدَّقَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ الْحَارِثِ الطَّائِفِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو عَوْنٍ الثَّقَفِيُّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ ، حَدَّثَنَا شَبَابةُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُحْرِمِ قَالَ : لَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَحَدَّثَنِي قَالَ : حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ ، فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِي كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ وَاكْتُمُوا ، فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَيْهِ : إِنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكُمْ ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ) الْآيَةَ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَفِي سَنَدِهِ وَسِيَاقِهِ نَظَرٌ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمْ بِقَصْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُمْ عَامَ الْفَتْحِ ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَبَعَثَ فِي إِثْرِ الْكِتَابِ فَاسْتَرْجَعَهُ ، وَاسْتَحْضَرَ حَاطِبًا فَأَقَرَّ بِمَا صَنَعَ ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : دَعْهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ
قُلْتُ : وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ، فَالْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَالْخِيَانَةُ تَعُمُّ الذُّنُوبَ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ اللَّازِمَةَ وَالْمُتَعَدِّيَةَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ) الْأَمَانَةُ الْأَعْمَالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعِبَادَ - يَعْنِي الْفَرِيضَةَ يَقُولُ : لَا تَخُونُوا : لَا تَنْقُضُوهَا .
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ : ( لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) يَقُولُ : بِتَرْكِ سُنَّتِهِ وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، 42 أَيْ : لَا تُظْهِرُوا لِلَّهِ مِنَ الْحَقِّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ ، ثُمَّ تُخَالِفُوهُ فِي السِّرِّ إِلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لِأَمَانَاتِكُمْ ، وَخِيَانَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : إِذَا خَانُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، فَقَدْ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ .
وَقَالَ أَيْضًا : كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ فَيُفْشُونَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُشْرِكِينَ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ [ بْنِ أَسْلَمَ ] : نَهَاكُمْ أَنْ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، كَمَا صَنَعَ الْمُنَافِقُونَ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) أَيْ : اخْتِبَارٌ وَامْتِحَانُ مِنْهُ لَكُمْ ؛ إِذْ أَعْطَاكُمُوهَا لِيَعْلَمَ أَتَشْكُرُونَهُ عَلَيْهَا وَتُطِيعُونَهُ فِيهَا ، أَوْ تَشْتَغِلُونَ بِهَا عَنْهُ ، وَتَعْتَاضُونَ بِهَا مِنْهُ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) [ التَّغَابُنِ : 15 ] ، وَقَالَ : ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 35 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ الْمُنَافِقُونَ : 9 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) الْآيَةَ [ التَّغَابُنِ : 14 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) أَيْ : ثَوَابُهُ وَعَطَاؤُهُ وَجَنَّاتُهُ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِنْهُمْ عَدُوٌّ ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ ، هُوَ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلَدَيْهِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَفِي الْأَثَرِ يَقُولُ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ابْنَ آدَمَ ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي ، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ أَنَّهُ قَالَ ] ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ .
بَلْ حُبُّ رَسُولِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ والزُّهْرِيُّ : أُنْزِلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَشَارُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ - أَيْ : إِنَّهُ الذَّبْحُ ، ثُمَّ فَطِنَ أَبُو لُبَابَةَ ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فَحَلَفَ لَا يَذُوقُ ذَوَاقًا حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَانْطَلَقَ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ فِي سَارِيَةٍ مِنْهُ ، فَمَكَثَ 41 كَذَلِكَ تِسْعَةَ أَيَّامٍ ، حَتَّى كَانَ يَخِرُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْدِ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ . فَجَاءَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَهُ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَحُلُّوهُ مِنَ السَّارِيَةِ ، فَحَلَفَ لَا يَحُلُّهُ مِنْهَا إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [ وَسَلَّمَ ] بِيَدِهِ ، فَحَلَّهُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً ، فَقَالَ : يَجْزِيكَ الثُّلُثُ أَنْ تَصدَّقَ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْحَارِثُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ الْحَارِثِ الطَّائِفِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو عَوْنٍ الثَّقَفِيُّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) الْآيَةَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ ، حَدَّثَنَا شَبَابةُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُحْرِمِ قَالَ : لَقِيتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ فَحَدَّثَنِي قَالَ : حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ ، فَأَتَى جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِي كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ : إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ وَاكْتُمُوا ، فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَيْهِ : إِنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُكُمْ ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] ( لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ) الْآيَةَ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَفِي سَنَدِهِ وَسِيَاقِهِ نَظَرٌ .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمْ بِقَصْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهُمْ عَامَ الْفَتْحِ ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَبَعَثَ فِي إِثْرِ الْكِتَابِ فَاسْتَرْجَعَهُ ، وَاسْتَحْضَرَ حَاطِبًا فَأَقَرَّ بِمَا صَنَعَ ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ : دَعْهُ ، فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، مَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ
قُلْتُ : وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ، فَالْأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَالْخِيَانَةُ تَعُمُّ الذُّنُوبَ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ اللَّازِمَةَ وَالْمُتَعَدِّيَةَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ) الْأَمَانَةُ الْأَعْمَالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْعِبَادَ - يَعْنِي الْفَرِيضَةَ يَقُولُ : لَا تَخُونُوا : لَا تَنْقُضُوهَا .
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ : ( لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ) يَقُولُ : بِتَرْكِ سُنَّتِهِ وَارْتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، 42 أَيْ : لَا تُظْهِرُوا لِلَّهِ مِنَ الْحَقِّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ ، ثُمَّ تُخَالِفُوهُ فِي السِّرِّ إِلَى غَيْرِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لِأَمَانَاتِكُمْ ، وَخِيَانَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : إِذَا خَانُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، فَقَدْ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ .
وَقَالَ أَيْضًا : كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ فَيُفْشُونَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُشْرِكِينَ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ [ بْنِ أَسْلَمَ ] : نَهَاكُمْ أَنْ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ، كَمَا صَنَعَ الْمُنَافِقُونَ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) أَيْ : اخْتِبَارٌ وَامْتِحَانُ مِنْهُ لَكُمْ ؛ إِذْ أَعْطَاكُمُوهَا لِيَعْلَمَ أَتَشْكُرُونَهُ عَلَيْهَا وَتُطِيعُونَهُ فِيهَا ، أَوْ تَشْتَغِلُونَ بِهَا عَنْهُ ، وَتَعْتَاضُونَ بِهَا مِنْهُ ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) [ التَّغَابُنِ : 15 ] ، وَقَالَ : ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 35 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ الْمُنَافِقُونَ : 9 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) الْآيَةَ [ التَّغَابُنِ : 14 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) أَيْ : ثَوَابُهُ وَعَطَاؤُهُ وَجَنَّاتُهُ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مِنْهُمْ عَدُوٌّ ، وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ ، هُوَ الْمُتَصَرِّفُ الْمَالِكُ لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَلَدَيْهِ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَفِي الْأَثَرِ يَقُولُ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ابْنَ آدَمَ ، اطْلُبْنِي تَجِدْنِي ، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ أَنَّهُ قَالَ ] ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ .
بَلْ حُبُّ رَسُولِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith