تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ( 199 ) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) )
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) يَعْنِي : خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَمَا أَتَوْكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَخُذْهُ . وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ " بَرَاءَةٌ " بِفَرَائِضَ الصَّدَقَاتِ وَتَفْصِيلِهَا ، وَمَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ الصَّدَقَاتُ . قَالَهُ السُّدِّيُّ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) أَنْفِقِ الْفَضْلَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ : الْفَضْلُ .
531 وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ عَشْرَ سِنِينَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( خُذِ الْعَفْوَ ) قَالَ : مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحَسُّسٍ
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : إِنَّمَا أَنَزَلَ ) خُذِ الْعَفْوَ ) مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَفِي رِوَايَةٍ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَالَا مِثْلَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) قَالَ : مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ، وَاللَّهِ لَآخُذَنَّهُ مِنْهُمْ مَا صَحِبْتُهُمْ . وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ أُمَيٍّ قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيِّ كِتَابَةً ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أُمَيٍّ عَنِ الشَّعْبِيِّ . نَحْوَهُ ، وَهَذَا - عَلَى كُلِّ حَالٍ - مُرْسَلٌ ، وَقَدْ رُوِيَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ جَابِرٍ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَسْنَدَهُمَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَابْتَدَأْتُهُ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبَرْنِي بِفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ . فَقَالَ : " يَا عُقْبَةُ ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ " .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، بِهِ . وَقَالَ حَسَنٌ
قُلْتُ : وَلَكِنْ " عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ " وَشَيْخُهُ " الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ " ، فِيهِمَا ضَعْفٌ .
532 وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) " الْعُرْفُ " : الْمَعْرُوفُ . حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ - وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ - كُهُولًا كَانُوا أَوْ شَبَابًا - فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : يَابْنَ أَخِي ، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ . قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ : هِي يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ . فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ; أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرَّ عَلَى عِيرٍ لِأَهْلِ الشَّامِ وَفِيهَا جَرَسٌ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا مَنْهِيُّ عَنْهُ ، فَقَالُوا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْكَ ، إِنَّمَا يُكْرَهُ الْجُلْجُلُ الْكَبِيرُ ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ . فَسَكَتَ سَالِمٌ وَقَالَ : ( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )
وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ : " الْعُرْفُ : الْمَعْرُوفُ " نَصَّ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ يُقَالُ : أَوْلَيْتُهُ عُرْفًا ، وَعَارِفًا ، وَعَارِفَةً ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى : " الْمَعْرُوفِ " . قَالَ : وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ ، وَبِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِينَ ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ لِخُلُقِهِ بِاحْتِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ ، لَا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ جَهِلَ الْحَقَّ الْوَاجِبَ مَنْ حَقَّ اللَّهِ ، وَلَا بِالصَّفْحِ عَمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَجَهِلَ وَحْدَانِيَّتَهُ ، وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ حَرْبٌ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قَالَ : هَذِهِ أَخْلَاقٌ أَمَرَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَلَّهُ عَلَيْهَا .
وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَسَبَكَهُ فِي بَيْتَيْنِ فِيهِمَا جِنَاسٌ فَقَالَ :
﴿﴾ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِعُرْفٍ كَمَا ﴿﴾ ﴿﴾ أُمِرْتَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلِنْ فِي الْكَلَامِ لِكُلِّ الْأَنَامِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَمُسْتَحْسَنٌ مِنْ ذَوِي الْجَاهِ لِينْ ﴿﴾
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : النَّاسُ رَجُلَانِ : فَرَجُلٌ مُحْسِنٌ ، فَخُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ إِحْسَانِهِ ، وَلَا تُكَلِّفْهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَلَا مَا يُحْرِجُهُ . وَإِمَّا مُسِيءٌ ، فَمُرْهُ بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى ضَلَالِهِ ، وَاسْتَعْصَى عَلَيْكَ ، وَاسْتَمَرَّ فِي جَهْلِهِ ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّ كَيْدَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوَذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 96 - 98 ]
533 وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا ) أَيْ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ فُصِّلَتْ : 34 - 36 ] وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ أَيْضًا : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) فَهَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي " الْأَعْرَافِ " وَ " الْمُؤْمِنُونَ " وَ " حم السَّجْدَةِ " ، لَا رَابِعَ لَهُنَّ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُرْشِدُ فِيهِنَّ إِلَى مُعَامَلَةِ الْعَاصِي مِنَ الْإِنْسِ بِالْمَعْرُوفِ وَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُفُّهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ التَّمَرُّدِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ثُمَّ يُرْشِدُ تَعَالَى إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجَانِّ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُفُّهُ عَنْكَ الْإِحْسَانُ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ هَلَاكَكَ وَدَمَارَكَ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَإِنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينٌ لَكَ وَلِأَبِيكَ مِنْقَبْلِكَ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ) وَإِمَّا يُغْضِبَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ غَضَبٌ يَصُدُّكَ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَيَحْمِلُكَ عَلَى مُجَازَاتِهِمْ ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) يَقُولُ : فَاسْتَجِرْ بِاللَّهِ مِنْ نَزْغِهِ ) سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ الَّذِي تَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ سَمِيعٌ لِجَهْلِ الْجَاهِلِ عَلَيْكَ ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ نَزْغِهِ ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ خَلْقِهِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، عَلِيمٌ بِمَا يُذْهِبُ عَنْكَ نَزْغَ الشَّيْطَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : لَمَّا نَزَلَ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا رَبِّ ، كَيْفَ بِالْغَضَبِ ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الِاسْتِعَاذَةِ حَدِيثُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَسَابَّا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا حَتَّى جَعَلَ أَنْفُهُ يَتَمَزَّعُ غَضَبًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " . فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : مَا بِي مِنْ جُنُونٍ
وَأَصْلُ " النَّزْغِ " : الْفَسَادُ ، إِمَّا بِالْغَضَبِ أَوْ غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ) [ الْإِسْرَاءِ : 53 ] وَ " الْعِيَاذُ " : الِالْتِجَاءُ وَالِاسْتِنَادُ وَالِاسْتِجَارَةُ مِنَ الشَّرِّ ، وَأَمَّا " الْمَلَاذُ " فَفِي طَلَبِ الْخَيْرِ ، كَمَا قَالَ أَبُو الطِّيبِ [ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ ] الْمُتَنَبِّي :
﴿﴾ يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ ﴿﴾
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) يَعْنِي : خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَمَا أَتَوْكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَخُذْهُ . وَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ " بَرَاءَةٌ " بِفَرَائِضَ الصَّدَقَاتِ وَتَفْصِيلِهَا ، وَمَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ الصَّدَقَاتُ . قَالَهُ السُّدِّيُّ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) أَنْفِقِ الْفَضْلَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ : الْفَضْلُ .
531 وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ عَشْرَ سِنِينَ ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( خُذِ الْعَفْوَ ) قَالَ : مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحَسُّسٍ
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ . وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : إِنَّمَا أَنَزَلَ ) خُذِ الْعَفْوَ ) مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَفِي رِوَايَةٍ لِغَيْرِهِ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَفِي رِوَايَةٍ : عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَالَا مِثْلَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ : ( خُذِ الْعَفْوَ ) قَالَ : مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ، وَاللَّهِ لَآخُذَنَّهُ مِنْهُمْ مَا صَحِبْتُهُمْ . وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - عَنْ أُمَيٍّ قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ " قَالَ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْقَرَاطِيسِيِّ كِتَابَةً ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ الْفَرَجِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أُمَيٍّ عَنِ الشَّعْبِيِّ . نَحْوَهُ ، وَهَذَا - عَلَى كُلِّ حَالٍ - مُرْسَلٌ ، وَقَدْ رُوِيَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ جَابِرٍ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَسْنَدَهُمَا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ رِفَاعَةَ ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَابْتَدَأْتُهُ ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَخْبَرْنِي بِفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ . فَقَالَ : " يَا عُقْبَةُ ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمَكَ " .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ ، مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، بِهِ . وَقَالَ حَسَنٌ
قُلْتُ : وَلَكِنْ " عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ " وَشَيْخُهُ " الْقَاسِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ " ، فِيهِمَا ضَعْفٌ .
532 وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) " الْعُرْفُ " : الْمَعْرُوفُ . حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ - وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ - وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ - كُهُولًا كَانُوا أَوْ شَبَابًا - فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : يَابْنَ أَخِي ، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ . قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ : هِي يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ . فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قِرَاءَةً ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ; أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرَّ عَلَى عِيرٍ لِأَهْلِ الشَّامِ وَفِيهَا جَرَسٌ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا مَنْهِيُّ عَنْهُ ، فَقَالُوا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْكَ ، إِنَّمَا يُكْرَهُ الْجُلْجُلُ الْكَبِيرُ ، فَأَمَّا مِثْلُ هَذَا فَلَا بَأْسَ بِهِ . فَسَكَتَ سَالِمٌ وَقَالَ : ( وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ )
وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ : " الْعُرْفُ : الْمَعْرُوفُ " نَصَّ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ يُقَالُ : أَوْلَيْتُهُ عُرْفًا ، وَعَارِفًا ، وَعَارِفَةً ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنَى : " الْمَعْرُوفِ " . قَالَ : وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَ عِبَادَهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ ، وَبِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِينَ ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ لِخُلُقِهِ بِاحْتِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُمْ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ ، لَا بِالْإِعْرَاضِ عَمَّنْ جَهِلَ الْحَقَّ الْوَاجِبَ مَنْ حَقَّ اللَّهِ ، وَلَا بِالصَّفْحِ عَمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَجَهِلَ وَحْدَانِيَّتَهُ ، وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ حَرْبٌ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قَالَ : هَذِهِ أَخْلَاقٌ أَمَرَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَلَّهُ عَلَيْهَا .
وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ هَذَا الْمَعْنَى ، فَسَبَكَهُ فِي بَيْتَيْنِ فِيهِمَا جِنَاسٌ فَقَالَ :
﴿﴾ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِعُرْفٍ كَمَا ﴿﴾ ﴿﴾ أُمِرْتَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلِنْ فِي الْكَلَامِ لِكُلِّ الْأَنَامِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَمُسْتَحْسَنٌ مِنْ ذَوِي الْجَاهِ لِينْ ﴿﴾
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : النَّاسُ رَجُلَانِ : فَرَجُلٌ مُحْسِنٌ ، فَخُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ إِحْسَانِهِ ، وَلَا تُكَلِّفْهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَلَا مَا يُحْرِجُهُ . وَإِمَّا مُسِيءٌ ، فَمُرْهُ بِالْمَعْرُوفِ ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى ضَلَالِهِ ، وَاسْتَعْصَى عَلَيْكَ ، وَاسْتَمَرَّ فِي جَهْلِهِ ، فَأَعْرِضْ عَنْهُ ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَرُدَّ كَيْدَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوَذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 96 - 98 ]
533 وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا ) أَيْ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ فُصِّلَتْ : 34 - 36 ] وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ أَيْضًا : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) فَهَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي " الْأَعْرَافِ " وَ " الْمُؤْمِنُونَ " وَ " حم السَّجْدَةِ " ، لَا رَابِعَ لَهُنَّ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُرْشِدُ فِيهِنَّ إِلَى مُعَامَلَةِ الْعَاصِي مِنَ الْإِنْسِ بِالْمَعْرُوفِ وَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُفُّهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ التَّمَرُّدِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) ثُمَّ يُرْشِدُ تَعَالَى إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجَانِّ ، فَإِنَّهُ لَا يَكُفُّهُ عَنْكَ الْإِحْسَانُ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ هَلَاكَكَ وَدَمَارَكَ بِالْكُلِّيَّةِ ، فَإِنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينٌ لَكَ وَلِأَبِيكَ مِنْقَبْلِكَ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ ) وَإِمَّا يُغْضِبَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ غَضَبٌ يَصُدُّكَ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَيَحْمِلُكَ عَلَى مُجَازَاتِهِمْ ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) يَقُولُ : فَاسْتَجِرْ بِاللَّهِ مِنْ نَزْغِهِ ) سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ الَّذِي تَسْتَعِيذُ بِهِ مِنْ نَزْغِ الشَّيْطَانِ سَمِيعٌ لِجَهْلِ الْجَاهِلِ عَلَيْكَ ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ نَزْغِهِ ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ خَلْقِهِ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، عَلِيمٌ بِمَا يُذْهِبُ عَنْكَ نَزْغَ الشَّيْطَانِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : لَمَّا نَزَلَ : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا رَبِّ ، كَيْفَ بِالْغَضَبِ ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الِاسْتِعَاذَةِ حَدِيثُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَسَابَّا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا حَتَّى جَعَلَ أَنْفُهُ يَتَمَزَّعُ غَضَبًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " . فَقِيلَ لَهُ ، فَقَالَ : مَا بِي مِنْ جُنُونٍ
وَأَصْلُ " النَّزْغِ " : الْفَسَادُ ، إِمَّا بِالْغَضَبِ أَوْ غَيْرِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ) [ الْإِسْرَاءِ : 53 ] وَ " الْعِيَاذُ " : الِالْتِجَاءُ وَالِاسْتِنَادُ وَالِاسْتِجَارَةُ مِنَ الشَّرِّ ، وَأَمَّا " الْمَلَاذُ " فَفِي طَلَبِ الْخَيْرِ ، كَمَا قَالَ أَبُو الطِّيبِ [ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ ] الْمُتَنَبِّي :
﴿﴾ يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ ﴿﴾
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَحَادِيثَ الِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith