تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 560 · printed p. 479
( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) ( 154 )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَلَمَّا سَكَتَ ) أَيْ : سَكَنَ ( عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ) أَيْ : غَضَبُهُ عَلَى قَوْمِهِ ( أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ) أَيْ : الَّتِي كَانَ أَلْقَاهَا مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ عَلَى عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ ، غَيْرَةً لِلَّهِ وَغَضَبًا لَهُ ( وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ )
يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : إِنَّهَا لَمَّا أَلْقَاهَا تَكَسَّرَتْ ، ثُمَّ جَمَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : فَوَجَدَ فِيهَا هُدًى وَرَحْمَةً . وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَذَهَبَ ، وَزَعَمُوا أَنَّ رُضَاضَهَا لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا فِي خَزَائِنِ الْمُلُوكِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَا . وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّهَا تَكَسَّرَتْ حِينَ أَلْقَاهَا ، وَهِيَ مِنْ جَوْهَرِ الْجَنَّةِ فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَهَا بَعْدَ مَا أَلْقَاهَا وَجَدَ فِيهَا هُدًى وَرَحْمَةً .
( لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ) ضَمَّنَ الرَّهْبَةَ مَعْنَى الْخُضُوعِ ; وَلِهَذَا عَدَّاهَا بِاللَّامِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ) قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْآخَرُونَ - أَيْ آخَرُونَ فِي الْخَلْقِ - السَّابِقُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ، 479 رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ يَقْرَءُونَهَا - كِتَابَهُمْ - وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ نَظَرًا ، حَتَّى إِذَا رَفَعُوهَا لَمْ يَحْفَظُوا مِنْهَا شَيْئًا ، وَلَمْ يَعْرِفُوهُ . قَالَ قَتَادَةُ : وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ مِنَ الْحِفْظِ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنَ الْأُمَمِ . قَالَ : رَبِّ ، اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً يُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ ، وَبِالْكِتَابِ الْآخِرِ ، وَيُقَاتِلُونَ فُصُولَ الضَّلَالَةِ ، حَتَّى يُقَاتِلُوا الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً صَدَقَاتُهُمْ يَأْكُلُونَهَا فِي بُطُونِهِمْ ، وَيُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا - وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَقَبِلَتْ مِنْهُ ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا نَارًا فَأَكَلَتْهَا ، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ تُرِكَتْ ، فَتَأْكُلُهَا السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ ، وَإِنَّ اللَّهَ أَخَذَ صَدَقَاتِكُمْ مِنْ غَنِيِّكُمْ لِفَقِيرِكُمْ - قَالَ : رَبِّ ، اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلْهَا ، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ ، فَإِنْ عَمِلَهَا ، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا ، فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي : قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْمُسْتَجِيبُونَ وَالْمُسْتَجَابُ لَهُمْ ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : رَبِّ ، إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْمُشَفَّعُونَ وَالْمَشْفُوعُ لَهُمْ ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي . قَالَ : تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ . قَالَ : قَتَادَةُ فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبَذَ الْأَلْوَاحَ ، وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ أَحْمَدَ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith