تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 492 · printed p. 391
( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ( 10 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عَبِيدِهِ فِيمَا مَكَّنَ لَهُمْ مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا ، وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ، وَجَعَلَ لَهُمْ فِيهَا مَنَازِلَ وَبُيُوتًا ، وَأَبَاحَ مَنَافِعَهَا ، وَسَخَّرَ لَهُمُ السَّحَابَ لِإِخْرَاجِ أَرْزَاقِهِمْ مِنْهَا ، وَجَعَلَ لَهُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ، أَيْ : مَكَاسِبَ وَأَسْبَابًا يَتَّجِرُونَ فِيهَا ، وَيَتَسَبَّبُونَ أَنْوَاعَ الْأَسْبَابِ ، وَأَكْثَرُهُمْ مَعَ هَذَا قَلِيلُ الشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 34 ] .
وَقَدْ قَرَأَ الْجَمِيعُ : ( مَعَايِشَ ) بِلَا هَمْزٍ ، إِلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ فَإِنَّهُ هَمَزَهَا . وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ بِلَا هَمْزٍ; لِأَنَّ مَعَايِشَ جَمْعُ مَعِيشَةٍ ، مِنْ عَاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ، وَمَعِيشَةٌ أَصْلُهَا " مَعْيِشَةٌ " فَاسْتُثْقِلَتِ الْكَسْرَةُ عَلَى الْيَاءِ ، فَنُقِلَتْ إِلَى الْعَيْنِ فَصَارَتْ مَعِيشَةً ، فَلَمَّا جُمِعَتْ رَجَعَتِ الْحَرَكَةُ إِلَى الْيَاءِ لِزَوَالِ الِاسْتِثْقَالِ ، فَقِيلَ : مَعَايِشُ . وَوَزْنُهُ مَفَاعِلُ; لِأَنَّ الْيَاءَ أَصْلِيَّةٌ فِي الْكَلِمَةِ . بِخِلَافِ مَدَائِنَ 391 وَصَحَائِفَ وَبَصَائِرَ ، جَمْعِ مَدِينَةٍ وَصَحِيفَةٍ وَبَصِيرَةٍ مِنْ : مَدَنَ وَصَحَفَ وَأَبْصَرَ ، فَإِنَّ الْيَاءَ فِيهَا زَائِدَةٌ ، وَلِهَذَا تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ ، وَتُهْمَزُ لِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith