تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 449 · printed p. 315
( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِنْهَا ، وَهِيَ مُقَابَلَةُ الْمُشْرِكِينَ بِسَبِّ إِلَهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .
كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : قَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنَا ، أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ ، ( فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكُفَّارِ ، فَيَسُبُّ الْكُفَّارُ اللَّهَ 315 عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : لَمَّا حَضَرَ أَبَا طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَتْ قُرَيْشٌ : انْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ ، فَلْنَأْمُرْهُ أَنْ يَنْهَى عَنَّا ابْنَ أَخِيهِ ، فَإِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَتَقُولُ الْعَرَبُ : كَانَ يَمْنَعُهُمْ فَلَمَّا مَاتَ قَتَلُوهُ . فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَأَبُو جَهْلٍ ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأُمَيَّةُ ، وَأُبَيٌّ ابْنَا خَلَفٍ ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْبَخْتَرِيِّ وَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ : " الْمُطَّلِبُ " ، قَالُوا : اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى أَبِي طَالِبٍ ، فَأَتَى أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ يُرِيدُونَ الدُّخُولَ عَلَيْكَ ، فَأَذِنَ لَهُمْ عَلَيْهِ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ ، أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذَانَا وَآذَى آلِهَتَنَا ، فَنُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهَاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنَا ، وَلْنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ . فَدَعَاهُ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ وَبَنُو عَمِّكَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تُرِيدُونَ؟ " قَالُوا : نُرِيدُ أَنْ تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا ، وَلْنَدَعْكَ وَإِلَهَكَ . قَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ : قَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ۝ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذَا ، هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا الْعَرَبَ ، وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ ، وَأَدَّتْ لَكُمُ الْخَرَاجَ ؟ " قَالَ أَبُو جَهْلٍ : وَأَبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا قَالَ : فَمَا هِيَ؟ قَالَ : " قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فَأَبَوْا وَاشْمَأَزُّوا . قَالَ أَبُو طَالِبٍ : يَا ابْنَ أَخِي ، قُلْ غَيْرَهَا ، فَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنْهَا . قَالَ : " ۝ يَا عَمِّ ، مَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ غَيْرَهَا ، حَتَّى يَأْتُوا بِالشَّمْسِ فَيَضَعُوهَا فِي يَدِي ، وَلَوْ أَتَوْا بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا قُلْتُ غَيْرَهَا " إِرَادَةَ أَنْ يُؤَيِّسَهُمْ ، فَغَضِبُوا وَقَالُوا : لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا ، أَوْ لَنَشْتُمَنَّكَ وَنَشْتُمَ مَنْ يَأْمُرُكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ - وَهُوَ تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ لِمَفْسَدَةٍ أَرْجَحَ مِنْهَا - مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ مَلْعُونٌ مِنْ سَبِّ وَالِدَيْهِ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ : " يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ) أَيْ : وَكَمَا زَيَّنَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ حُبَّ أَصْنَامِهِمْ وَالْمُحَامَاةَ لَهَا وَالِانْتِصَارَ ، كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ عَلَى الضَّلَالِ - عَمَلَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ ، وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ فِيمَا يَشَاؤُهُ وَيَخْتَارُهُ . ( ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ) أَيْ : مَعَادُهُمْ وَمَصِيرُهُمْ ، ( فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) أَيْ : يُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith