تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 400 · printed p. 156
( قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 68 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : قُلْ يَا مُحَمَّدُ : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ) أَيْ : مِنَ الدِّينِ ( حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ) أَيْ : حَتَّى تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ مَا بِأَيْدِيكُمْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا وَمِمَّا فِيهَا الْأَمْرُ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِيمَانِ بِمَبْعَثِهِ ، وَالِاقْتِدَاءِ بِشَرِيعَتِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ( فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) 156 أَيْ : فَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا يَهِيدَنَّكَ ذَلِكَ مِنْهُمْ .
ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) وَهُمُ : الْمُسْلِمُونَ ( وَالَّذِينَ هَادُوا ) وَهُمْ : حَمَلَةُ التَّوْرَاةِ ( وَالصَّابِئُونَ ) - لَمَّا طَالَ الْفَصْلُ حَسُنَ الْعَطْفُ بِالرَّفْعِ . وَالصَّابِئُونَ : طَائِفَةٌ بَيْنَ النَّصَارَى وَالْمَجُوسِ لَيْسَ لَهُمْ دِينٌ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعَنْهُ : بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَعَنِ الْحَسَنِ [ وَالْحَكَمِ ] إِنَّهُمْ كَالْمَجُوسِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ ، وَيُصَلُّونَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ ، وَيَقْرَءُونَ الزَّبُورَ . وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : هُمْ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُونَ بِهَا ، وَلَمْ يُحْدِثُوا كُفْرًا .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : الصَّابِئُونَ : قَوْمٌ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ وَهُمْ بَكُوثَى وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ ، وَيَصُومُونَ كُلَّ سَنَةٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْيَمَنِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا النَّصَارَى فَمَعْرُوفُونَ ، وَهُمْ حَمَلَةُ الْإِنْجِيلِ .
وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَهُوَ الْمَعَادُ وَالْجَزَاءُ يَوْمُ الدِّينِ ، وَعَمِلَتْ عَمَلًا صَالِحًا ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بَعْدَ إِرْسَالِ صَاحِبِهَا الْمَبْعُوثِ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ فَمَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ ( فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ وَلَا عَلَى مَا تَرَكُوا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ( وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمُ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرَاتِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith