تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
101 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَاتِحَةُ الْكِتَابِ
يُقَالُ لَهَا : الْفَاتِحَةُ ، أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا ، وَبِهَا تُفْتَحُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَكَرِهَ أَنَسٌ ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ كَرِهَا تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ ، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ : إِنَّمَا ذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ : هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ، وَلِذَا كَرِهَا - أَيْضًا - أَنْ يُقَالَ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي [ الْحَدِيثِ ] الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَيُقَالُ لَهَا : الْحَمْدُ ، وَيُقَالُ لَهَا : الصَّلَاةُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ رَبِّهِ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي الْحَدِيثَ . فَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ صَلَاةً ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا . وَيُقَالُ لَهَا : الشِّفَاءُ ؛ لِمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُمٍّ . وَيُقَالُ لَهَا : الرُّقْيَةُ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ حِينَ رَقَى بِهَا الرَّجُلَ السَّلِيمَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ . وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمَّاهَا : أَسَاسَ الْقُرْآنِ ، قَالَ : فَأَسَاسُهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَسَمَّاهَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : الْوَاقِيَةُ . وَسَمَّاهَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : الْكَافِيَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَكْفِي عَمَّا عَدَاهَا وَلَا يَكْفِي مَا سِوَاهَا عَنْهَا ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمُرْسَلَةِ : أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا . وَيُقَالُ لَهَا : سُورَةُ الصَّلَاةِ وَالْكَنْزِ ، ذَكَرَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ . وَهِيَ مَكِّيَّةٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ ، قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ . وَيُقَالُ : نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً بِمَكَّةَ ، وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِيَ ) [ الْحِجْرِ : 87 ] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ نِصْفَهَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا ، نَقْلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْهُ . وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِلَا خِلَافٍ ، [ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ : ثَمَانٌ ، وَقَالَ حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ : سِتَّةٌ وَهَذَانَ شَاذَّانِ ] . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْبَسْمَلَةِ : هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخَلْقٌ مِنَ الْخَلَفِ ، أَوْ بَعْضُ آيَةٍ أَوْ لَا تُعَدُّ مِنْ أَوَّلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِهِ الثِّقَةُ . 102
قَالُوا : وَكَلِمَاتُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً ، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا . قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّفْسِيرِ : وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ ، لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جَامِعِ أَمْرٍ أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ - إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ - أُمًّا ، فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ ، أُمُّ الرَّأْسِ ، وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا أُمًّا ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ :
﴿﴾ عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ جِمَاعُ أُمُورٍ لَيْسَ نَعْصِي لَهَا أَمْرَا ﴿﴾
يَعْنِي : الرُّمْحُ . قَالَ : وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ : أُمَّ الْقُرَى لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ جَمِيعِهَا وَجَمْعِهَا مَا سِوَاهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْهَا .
وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : الْفَاتِحَةُ ؛ لِأَنَّهَا تُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ ، وَافْتَتَحَتِ الصَّحَابَةُ بِهَا كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ ، وَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي ، قَالُوا : لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَثَانِي مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ هَذَا ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ الْقُرْآنِ : هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَهِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِهِ ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَارِثٍ ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَوْصِلِيُّ ، ثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَبْعُ آيَاتٍ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَاهُنَّ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، وَهِيَ أُمُّ الْكِتَابِ . 103
وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْلِهِ ، وَقَالَ : كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) [ الْحِجْرِ : 87 ] بِالْفَاتِحَةِ ، وَأَنَّ الْبَسْمَلَةَ هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ مِنْهَا ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا عِنْدَ الْبَسْمَلَةِ .
وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ : لِمَ لَمْ تَكْتُبِ الْفَاتِحَةَ فِي مُصْحَفِكِ ؟ قَالَ : لَوْ كَتَبْتُهَا لِكَتَبْتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ : يَعْنِي حَيْثُ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَاكْتَفَيْتُ بِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا عَنْ كِتَابَتِهَا .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَنَقْلَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ أَحَدَ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ هَذَا [ أَحَدُهَا ] وَقِيلَ : ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) [ الْعَلَقِ : 1 ] وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
فَاتِحَةُ الْكِتَابِ
يُقَالُ لَهَا : الْفَاتِحَةُ ، أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا ، وَبِهَا تُفْتَحُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَكَرِهَ أَنَسٌ ، وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ كَرِهَا تَسْمِيَتَهَا بِذَلِكَ ، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ : إِنَّمَا ذَلِكَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ : هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ، وَلِذَا كَرِهَا - أَيْضًا - أَنْ يُقَالَ لَهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي [ الْحَدِيثِ ] الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَيُقَالُ لَهَا : الْحَمْدُ ، وَيُقَالُ لَهَا : الصَّلَاةُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ رَبِّهِ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، قَالَ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي الْحَدِيثَ . فَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ صَلَاةً ؛ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا . وَيُقَالُ لَهَا : الشِّفَاءُ ؛ لِمَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُمٍّ . وَيُقَالُ لَهَا : الرُّقْيَةُ ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ حِينَ رَقَى بِهَا الرَّجُلَ السَّلِيمَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ . وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمَّاهَا : أَسَاسَ الْقُرْآنِ ، قَالَ : فَأَسَاسُهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَسَمَّاهَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : الْوَاقِيَةُ . وَسَمَّاهَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ : الْكَافِيَةُ ؛ لِأَنَّهَا تَكْفِي عَمَّا عَدَاهَا وَلَا يَكْفِي مَا سِوَاهَا عَنْهَا ، كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْمُرْسَلَةِ : أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا ، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا . وَيُقَالُ لَهَا : سُورَةُ الصَّلَاةِ وَالْكَنْزِ ، ذَكَرَهُمَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ . وَهِيَ مَكِّيَّةٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ ، قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيُّ . وَيُقَالُ : نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ : مَرَّةً بِمَكَّةَ ، وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِيَ ) [ الْحِجْرِ : 87 ] ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَكَى أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ أَنَّ نِصْفَهَا نَزَلَ بِمَكَّةَ وَنِصْفَهَا الْآخَرَ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا ، نَقْلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْهُ . وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِلَا خِلَافٍ ، [ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ : ثَمَانٌ ، وَقَالَ حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ : سِتَّةٌ وَهَذَانَ شَاذَّانِ ] . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْبَسْمَلَةِ : هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخَلْقٌ مِنَ الْخَلَفِ ، أَوْ بَعْضُ آيَةٍ أَوْ لَا تُعَدُّ مِنْ أَوَّلِهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، كَمَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِهِ الثِّقَةُ . 102
قَالُوا : وَكَلِمَاتُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً ، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ حَرْفًا . قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّفْسِيرِ : وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ ، لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جَامِعِ أَمْرٍ أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ - إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ - أُمًّا ، فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ ، أُمُّ الرَّأْسِ ، وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا أُمًّا ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ :
﴿﴾ عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ جِمَاعُ أُمُورٍ لَيْسَ نَعْصِي لَهَا أَمْرَا ﴿﴾
يَعْنِي : الرُّمْحُ . قَالَ : وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ : أُمَّ الْقُرَى لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ جَمِيعِهَا وَجَمْعِهَا مَا سِوَاهَا ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْهَا .
وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : الْفَاتِحَةُ ؛ لِأَنَّهَا تُفْتَتَحُ بِهَا الْقِرَاءَةُ ، وَافْتَتَحَتِ الصَّحَابَةُ بِهَا كِتَابَةَ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ ، وَصَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالسَّبْعِ الْمَثَانِي ، قَالُوا : لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَثَانِي مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ هَذَا ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ الْقُرْآنِ : هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَهِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ . ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِهِ ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ ، وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَارِثٍ ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَوْصِلِيُّ ، ثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ نُوحِ بْنِ أَبِي بِلَالٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَبْعُ آيَاتٍ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِحْدَاهُنَّ ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ، وَهِيَ أُمُّ الْكِتَابِ . 103
وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ أَوْ مِثْلِهِ ، وَقَالَ : كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : ( سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ) [ الْحِجْرِ : 87 ] بِالْفَاتِحَةِ ، وَأَنَّ الْبَسْمَلَةَ هِيَ الْآيَةُ السَّابِعَةُ مِنْهَا ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا عِنْدَ الْبَسْمَلَةِ .
وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ : لِمَ لَمْ تَكْتُبِ الْفَاتِحَةَ فِي مُصْحَفِكِ ؟ قَالَ : لَوْ كَتَبْتُهَا لِكَتَبْتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ : يَعْنِي حَيْثُ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : وَاكْتَفَيْتُ بِحِفْظِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا عَنْ كِتَابَتِهَا .
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْفَاتِحَةَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَنَقْلَهُ الْبَاقِلَّانِيُّ أَحَدَ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ هَذَا [ أَحَدُهَا ] وَقِيلَ : ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) [ الْعَلَقِ : 1 ] وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith