تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 282 · printed p. 129
( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ( 147 ) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 148 ) )
لَمَّا انْهَزَمَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ، نَادَى الشَّيْطَانُ : أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ . وَرَجَعَ ابْنُ قَمِيئَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ لَهُمْ : قَتَلْتُ مُحَمَّدًا . وَإِنَّمَا كَانَ قَدْ ضَرَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتِلَ ، وَجَوَّزُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ قَصَّ اللَّهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، فَحَصَلَ وَهَنٌ وَضَعْفٌ وَتَأَخُّرٌ عَنِ الْقِتَالِ فَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) أَيْ : لَهُ أُسْوَةٌ بِهِمْ فِي الرِّسَالَةِ وَفِي جَوَازِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا فُلَانُ أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ ، فَنَزَلَ : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) رَوَاهُ [ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ ] الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ حَصَلَ لَهُ ضَعْفٌ : ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) أَيْ : رَجَعْتُمُ الْقَهْقَرَى ( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) أَيِ الَّذِينَ قَامُوا بِطَاعَتِهِ وَقَاتَلُوا عَنْ دِينِهِ ، وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا .
وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتْبِ الْإِسْلَامِ مَنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي مُسْنَدِيِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَقْبَلُ عَلَى فَرَسٍ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسَّنْحِ حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 129 وَهُوَ مُغَشَّى بِثَوْبٍ حِبَرَةٍ ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] ثُمَّ أَكُبَّ عَلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى ، ثُمَّ قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي . وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ ، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا .
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَقَالَ : اجْلِسْ يَا عُمَرُ فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا بَعْدُ ، مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) قَالَ : فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ كُلُّهُمْ ، فَمَا سَمِعَهَا بَشَرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا تَلَاهَا .
وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : وَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا فَعَقَرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ .
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادِ بْنِ طَلْحَةَ الْقَنَّادُ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقُولُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ : ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) وَاللَّهِ لَا نَنْقَلِبُ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ، وَاللَّهُ لَئِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ لَأُقَاتِلَنَّ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ حَتَّى أَمُوتَ ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخُوهُ ، وَوَلِيُّهُ ، وَابْنُ عَمِّهِ ، وَوَارِثُهُ فَمَنْ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي ؟ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ) أَيْ : لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَحَتَّى يَسْتَوْفِيَ الْمُدَّةَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ : ( كِتَابًا مُؤَجَّلًا ) كَقَوْلِهِ ( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ) [ فَاطِرِ : 11 ] وَكَقَوْلِهِ ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) [ الْأَنْعَامِ : 2 ] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا تَشْجِيعٌ لِلْجُبَنَاءِ وَتَرْغِيبٌ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ وَالْإِحْجَامَ لَا يَنْقُصُ مِنَ الْعُمُرِ وَلَا يَزِيدُ فِيهِ كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ :
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ الْعَبْدِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهْبَانَ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ - : مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَعْبُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ ، هَذِهِ النُّطْفَةُ ؟ - يَعْنِي دِجْلَةَ - ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ) ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ دِجْلَةَ فَلَمَّا أَقْحَمَ أَقْحَمَ النَّاسُ فَلَمَّا رَآهُمُ الْعَدُوُّ قَالُوا : دبوان ، فَهَرَبُوا .
130 وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ) أَيْ : مَنْ كَانَ عَمَلُهُ لِلدُّنْيَا فَقَدْ نَالَ مِنْهَا مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ [ مِنْ ] نَصِيبٍ ، وَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ الدَّارَ الْآخِرَةَ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَعَ مَا قَسَّمَ لَهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) [ الشُّورَى : 20 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 18 ، 19 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ) أَيْ : سَنُعْطِيهِمْ مِنْ فَضْلِنَا وَرَحْمَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسْبِ شُكْرِهِمْ وَعَمَلِهِمْ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى - مُسَلِّيًا لِلْمُسْلِمِينَ عَمَّا كَانَ وَقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ - : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ : كَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ وَقُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا : ( قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهَنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقِيَ مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يُقْتَلْ .
قَالَ : وَمَنْ قَرَأَ ( قَاتَلَ ) فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ : لَوْ قُتِلُوا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : ( فَمَا وَهَنُوا ) وَجْهٌ مَعْرُوفٌ ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا .
ثُمَّ اخْتَارَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ( قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) ، لِأَنَّ اللَّهَ [ تَعَالَى ] عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَالَّتِي قَبْلَهَا مَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ : " إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ " . فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ وَتَرْكِهِمُ الْقِتَالَ فَقَالَ لَهُمْ : ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ) أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ؟ .
وَقِيلَ : وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ .
وَكَلَامُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ يَقْتَضِي قَوْلًا آخَرَ ، [ فَإِنَّهُ ] قَالَ : أَيْ وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ أَصَابَهُ الْقَتْلُ ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ ، أَيْ : جَمَاعَاتٌ فَمَا وَهَنُوا بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ، وَمَا ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ ، وَمَا اسْتَكَانُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي الْجِهَادِ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ دِينِهِمْ ، وَذَلِكَ الصَّبْرُ ، ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) .
فَجَعَلَ قَوْلَهُ : ( مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) حَالًا وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ السُّهَيْلِيُّ وَبَالَغَ فِيهِ ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ لِقَوْلِهِ : ( فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ ) الْآيَةَ ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ ، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَمْ يَقُلْ غَيْرُهُ .
وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : ( قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنِ ابْنِ 131 مَسْعُودٍ ( رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) أَيْ : أُلُوفٌ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيِّ : الرِّبِّيُّونَ : الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ : ( رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) أَيْ : عُلَمَاءُ كَثِيرٌ ، وَعَنْهُ أَيْضًا : عُلَمَاءُ صُبُرٌ أَبْرَارُ أَتْقِيَاءُ .
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ بَعْضِ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ : أَنَّ الرِّبِّيِّينَ هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : وَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَالَ : لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ رَبِّيُّونَ ، بِفَتْحِ الرَّاءِ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : " الرِّبِّيُّونَ : الْأَتْبَاعُ ، وَالرَّعِيَّةُ ، وَالرَّبَّابِيُّونَ : الْوُلَاةُ .
( فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ) قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( وَمَا ضَعُفُوا ) بِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ ( وَمَا اسْتَكَانُوا ) يَقُولُ : فَمَا ارْتَدُّوا عَنْ نُصْرَتِهِمْ وَلَا عَنْ دِينِهِمْ ، أَنْ قَاتَلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتَّى لَحِقُوا بِاللَّهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ( وَمَا اسْتَكَانُوا ) تَخَشَّعُوا . وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ : وَمَا ذَلُّوا لِعَدُوِّهِمْ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ : أَيْ مَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ حِينَ قُتِلَ نَبِيُّهُمْ .
( وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) أَيْ : لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجِّيرَى إِلَّا ذَلِكَ .
( فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ) أَيِ : النَّصْرَ وَالظَّفَرَ وَالْعَاقِبَةَ ( وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ) أَيْ : جَمَعَ لَهُمْ ذَلِكَ مَعَ هَذَا ، ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .

■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith