تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 277 · printed p. 106
( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 114 ) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 115 ) ) السلام عليكم
هل تسمحون لي بشرف الحوار معكم
أرجوا الرد مع وافر الاحترام والتقدير
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 117 ) )
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : زَعَمَ الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ الْعِجْلِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ) قَالَ لَا يَسْتَوِي أَهْلُ الْكِتَابِ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ .
حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ وَحَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَا حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ۝ أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ : فَقَالَ : " أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَدْيَانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرَكُمْ " . قَالَ : وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ : ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ] ) إِلَى قَوْلِهِ ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) .
وَالْمَشْهُورُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ - كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيمَنْ آمَنَ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ وَغَيْرِهِمْ ، أَيْ : لَا يَسْتَوِي مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ بِالذَّمِّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [ وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( لَيْسُوا سَوَاءً ) أَيْ : لَيْسُوا كُلُّهُمْ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، بَلْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَمِنْهُمُ الْمُجْرِمُ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ] أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ) أَيْ : قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ ، مُطِيعَةٌ لِشَرْعِهِ مُتَّبِعَةٌ نَبِيَّ اللَّهِ ، [ فَهِيَ ] ) قَائِمَةٌ ) يَعْنِي مُسْتَقِيمَةً ( يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) أَيْ : يَقُومُونَ اللَّيْلَ ، وَيُكْثِرُونَ التَّهَجُّدَ ، وَيَتْلُونَ الْقُرْآنَ فِي صَلَوَاتِهِمْ ( يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ : ( وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ] ) [ الْآيَةَ : 199 ] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ) أَيْ : لَا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ يَجْزِيكُمْ بِهِ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ . ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) أَيْ : لَا يَخْفَى عَلَيْهِ عَمَلُ عَامِلٍ ، وَلَا يَضِيعُ لَدَيْهِ أَجْرُ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْكَفَرَةِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُ ( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) أَيْ لَا يُرَدُّ عَنْهُمْ بَأْسُ اللَّهِ وَلَا عَذَابُهُ إِذَا أَرَادَهُ بِهِمْ ( وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )
ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِمَا يُنْفِقُهُ الْكُفَّارُ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ ، فَقَالَ تَعَالَى : 106 ( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ) أَيْ : بَرْدٌ شَدِيدٌ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ عَطَاءٌ : بَرْدٌ وَجَلِيدٌ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَمُجَاهِدٍ ( فِيهَا صِرٌّ ) أَيْ : نَارٌ . وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ ، فَإِنَّ الْبَرْدَ الشَّدِيدَ - سِيَّمَا الْجَلِيدُ - يَحْرِقُ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ ، كَمَا يُحْرَقُ الشَّيْءُ بِالنَّارِ ( أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) أَيْ : أَحْرَقَتْهُ ، يَعْنِي بِذَلِكَ السَّفْعَةَ إِذَا نَزَلَتْ عَلَى حَرْثٍ قَدْ آنَ جِدَادُهُ أَوْ حَصَادُهُ فَدَمَّرَتْهُ وَأَعْدَمَتْ مَا فِيهِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، فَذَهَبَتْ بِهِ وَأَفْسَدَتْهُ ، فَعَدِمَهُ صَاحِبُهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ . فَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ يَمْحَقُ اللَّهُ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَثَمَرَتَهَا كَمَا أَذْهَبَ ثَمَرَةَ هَذَا الْحَرْثِ بِذُنُوبِ صَاحِبِهِ . وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ بَنَوْهَا عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ وَعَلَى غَيْرِ أَسَاسٍ ( وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith