تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
page 235 · printed p. 5
5 تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
هِيَ مَدَنِيَّةٌ ، لِأَنَّ صَدْرَهَا إِلَى ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْمُبَاهَلَةِ مِنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مَعَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ [ سُورَةِ ] الْبَقَرَةِ .
( الم ( 1 ) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ( 2 ) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ( 4 ) )
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) وَ ( الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( الم ) فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ) يَعْنِي : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ يَا مُحَمَّدُ ) بِالْحَقِّ ) أَيْ : لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا رَيْبَ ، بَلْ هُوَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] أَنْزَلَهُ بِعَلَمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا .
وَقَوْلُهُ : ( مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) أَيْ : مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَهِيَ تُصَدِّقُهُ بِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ وَبَشَّرَتْ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ ، وَهُوَ يُصَدِّقُهَا ، لِأَنَّهُ طَابَقَ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ وَبَشَّرَتْ ، مِنَ الْوَعْدِ مِنَ اللَّهِ بِإِرْسَالِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ ) أَيْ : عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ) وَالْإِنْجِيلَ ) أَيْ : عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .
( مِنْ قَبْلُ ) أَيْ : مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ . ) هُدًى لِلنَّاسِ ) أَيْ : فِي زَمَانِهِمَا ( وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ) وَهُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلَالِ ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْغَيِّ وَالرَّشَادِ ، بِمَا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْحُجَجِ وَالْبَيِّنَاتِ ، وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ ، وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَاتِ ، وَيُبَيِّنُهُ وَيُوَضِّحُهُ وَيُفَسِّرُهُ وَيُقَرِّرُهُ ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : الْفُرْقَانُ هَاهُنَا الْقُرْآنُ . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ مَصْدَرٌ هَاهُنَا ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ 6 الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ : ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) وَهُوَ الْقُرْآنُ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا بِالْفُرْقَانِ : التَّوْرَاةُ فَضَعِيفٌ أَيْضًا ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ) أَيْ : جَحَدُوا بِهَا وَأَنْكَرُوهَا ، وَرَدُّوهَا بِالْبَاطِلِ ( لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) وَاللَّهُ عَزِيزٌ ) أَيْ : مَنِيعُ الْجَنَابِ عَظِيمُ السُّلْطَانِ ) ذُو انْتِقَامٍ ) أَيْ : مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ وَخَالَفَ رُسُلَهُ الْكِرَامَ ، وَأَنْبِيَاءَهُ الْعِظَامَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith