تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1989 · printed p. 539
539 ( قُلْ أَعُوَذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) مَلِكِ النَّاسِ ( 2 ) إِلَهِ النَّاسِ ( 3 ) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ( 4 ) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ( 5 ) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ( 6 ) )
هَذِهِ ثَلَاثُ صِفَاتٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ : الرُّبُوبِيَّةُ ، وَالْمُلْكُ ، وَالْإِلَهِيَّةُ ؛ فَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَإِلَهُهُ ، فَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ ، مَمْلُوكَةٌ عَبِيدٌ لَهُ ، فَأَمَرَ الْمُسْتَعِيذَ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِالْمُتَّصِفِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ، مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ الْمُوَكَّلُ بِالْإِنْسَانِ ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَلَهُ قَرِينٌ يُزَيِّنُ لَهُ الْفَوَاحِشَ ، وَلَا يَأْلُوهُ جُهْدًا فِي الْخَبَالِ . وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ : ۝ " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ وُكِلَ بِهِ قَرِينَةٌ " . قَالُوا : وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ ، فَأَسْلَمَ ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ " وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ زِيَارَةِ صَفِيَّةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٍ ، وَخُرُوجِهِ مَعَهَا لَيْلًا لِيَرُدَّهَا إِلَى مَنْزِلِهَا ، فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ۝ " عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيِيٍّ " . فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ : " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا ، أَوْ قَالَ : شَرًّا " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَحْرٍ ، حَدَّثَنَا عِدِيُّ بْنُ أَبِي عِمَارَةَ ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ النُّمَيْرِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، فَإِنْ ذَكَرَ خَنَسَ ، وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ ، فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ " غَرِيبٌ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَدِيفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ عَثَرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارُهُ ، فَقُلْتُ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَقُلْ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ; فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ : تَعِسَ الشَّيْطَانُ ، تَعَاظَمَ ، وَقَالَ : بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ ، وَإِذَا قَلْتَ : بِسْمِ اللَّهِ ، تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ " .
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ مَتَى ذَكَرَ اللَّهَ تَصَاغَرَ الشَّيْطَانُ وَغُلِبَ ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرِ اللَّهَ تَعَاظَمَ وَغَلَبَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمُقْبِرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَأَبَسَ 540 بِهِ كَمَا يَبِسُ الرَّجُلُ بِدَابَّتِهِ ، فَإِذَا سَكَنَ لَهُ زَنَقَهُ - أَوْ : أَلْجَمَهُ " . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ ذَلِكَ ، أَمَّا الْمَزْنُوقُ فَتَرَاهُ مَائِلًا - كَذَا - لَا يَذْكُرُ اللَّهَ ، وَأَمَّا الْمُلْجَمُ فَفَاتِحٌ فَاهُ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ . تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ) قَالَ : الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهُ خَنَسَ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ .
وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ : ذُكِرَ لِي أَنَّ الشَّيْطَانَ ، أَوِ الْوَسْوَاسَ يَنْفُثُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ عِنْدَ الْحُزْنِ وَعِنْدَ الْفَرَحِ ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهُ خَنَسَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( الْوَسْوَاسِ ) قَالَ : هُوَ الشَّيْطَانُ يَأْمُرُ ، فَإِذَا أُطِيعَ خَنَسَ .
وَقَوْلُهُ : ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) هَلْ يَخْتَصُّ هَذَا بِبَنِي آدَمَ - كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ - أَوْ يَعُمُّ بَنِي آدَمَ وَالْجِنَّ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، وَيَكُونُونَ قَدْ دَخَلُوا فِي لَفْظِ النَّاسِ تَغْلِيبًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَقَدِ اسْتَعْمَلَ فِيهِمْ ( رِجَالٌ مِنَ الْجِنِّ ) فَلَا بِدَعَ فِي إِطْلَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) هَلْ هُوَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ : ( الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) ثُمَّ بَيَّنَهُمْ فَقَالَ : ( مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) وَهَذَا يُقَوِّي الْقَوْلَ الثَّانِيَ . وَقِيلَ قَوْلُهُ : ( مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) تَفْسِيرٌ لِلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ، مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) [ الْأَنْعَامِ : 112 ] ، وَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيدُ بْنُ الْخَشْخَاشِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : ۝ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَجَلَسْتُ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، هَلْ صَلَّيْتَ ؟ " . قُلْتُ : لَا . قَالَ : " قُمْ فَصْلِ " . قَالَ : فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " .
قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِلْإِنْسِ شَيَاطِينٌ ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الصَّلَاةُ ؟ قَالَ : " خَيْرُ مَوْضُوعٍ ، مَنْ شَاءَ أَقَلَّ ، وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الصَّوْمُ ؟ قَالَ : " فَرْضٌ يُجْزِئُ ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَزِيدٌ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَالصَّدَقَةُ ؟ قَالَ : " أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّهَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ ، أَوْ سِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ ؟ قَالَ : " آدَمُ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَنَبِيٌّ كَانَ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَمِ الْمُرْسَلُونَ ؟ قَالَ : " ثَلَثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشْرَ ، جَمًّا غَفِيرًا " . وَقَالَ مَرَّةً : " خَمْسَةَ عَشْرَ " . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ أَعْظَمُ ؟ 541 قَالَ : " آيَةُ الْكُرْسِيِّ : ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
)
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُمَرَ الدِّمَشْقِيِّ بِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا جِدًّا أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، بِطَرِيقٍ آخَرَ ، وَلَفْظٍ آخَرَ مُطَوَّلٍ جِدًّا ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ۝ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ . قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ - زَادَ النَّسَائِيُّ ، وَالْأَعْمَشُ - كِلَاهُمَا عَنْ ذَرٍّ بِهِ .
آخِرُ التَّفْسِيرِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ . وَرَضِيَ اللَّهُ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ . حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي الْعَاشِرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَثَمَانِينَ . وَالْحَمْدُ لَهُ وَحْدَهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith
← prev 1989