تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُودًا ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ( 14 ) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ( 15 ) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ( 16 ) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ( 17 ) )
( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ( 18 ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) ثُمَّ نَظَرَ ( 21 ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( 22 ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( 23 ) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ( 27 ) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ( 28 ) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( 29 ) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا ، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا ، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا ، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ . وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ حَيْثُ قَالَ : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) أَيْ : خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ ،
( مَالًا مَمْدُودًا ) أَيْ : وَاسِعًا كَثِيرًا ، قِيلَ : أَلْفُ دِينَارٍ . وَقِيلَ : مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ . وَقِيلَ : أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا . وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ .
وَجَعَلَ لَهُ ( وَبَنِينَ شُهُودًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَغِيبُونَ ، أَيْ : حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ ، بَلْ مَوَالِيهِمْ وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ وَيَتَمَلَّى بِهِمْ . وَكَانُوا - فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ - ثَلَاثَةَ عَشَرَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ : كَانُوا عَشْرَةً ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [ وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ ] .
( وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ) أَيْ : مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ) أَيْ : مُعَانِدًا ، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ .
قَالَ اللَّهُ : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ 266 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَيْلٌ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ ، وَالصَّعُودُ : جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا " .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ : غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ . كَذَا قَالَ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ - قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْجَابٌ ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيِّ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ) قَالَ : " هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ " .
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ ، بِهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : صَعُودٌ : صَخْرَةٌ [ فِي جَهَنَّمَ ] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : صَعُودًا : صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ) أَيْ : مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ) أَيْ : إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا ، أَيْ : قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ ; لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، أَيْ : تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ ، ( وَقَدَّرَ ) أَيْ : تَرَوَّى ، ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) دُعَاءٌ عَلَيْهِ ،
( ثُمَّ نَظَرَ ) أَيْ : أَعَادَ النَّظْرَةَ وَالتَّرَوِّيَ . ( ثُمَّ عَبَسَ ) أَيْ : قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ ، ( وَبَسَرَ ) أَيْ : كَلَحَ وَكَرِهَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيْرِ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا صُدُودٌ رَأَيْتُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِعْرَاضُهَا عَنْ حَاجَتِي وَبُسُورُهَا ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ) أَيْ : صُرِفَ عَنِ الْحَقِّ ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ .
( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) أَيْ : هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ ;
وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) أَيْ : لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ .
267
وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ : يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ ، وَلَا بِسَحْرٍ ، وَلَا بِهَذْيٍ مِنَ الْجُنُونِ ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لَتَصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ ، فَقَالَ لِلْوَلِيدِ : أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ ؟ فَقَالَ : أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ : أَقَدْ تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ ، وَلَا عُمَرَ ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ )
وَقَالَ قَتَادَةُ : زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى ، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) الْآيَةَ . ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : أَيْ عَمُّ ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا . قَالَ : لِمَ ؟ قَالَ : يُعْطُونَكَهُ ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ . قَالَ : قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا . قَالَ : فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ . قَالَ : فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي ، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً ، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى . وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ . قَالَ : فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ ، فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ : إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَنَزَلَتْ : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) [ قَالَ قَتَادَةُ : خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا ] حَتَّى بَلَغَ : ( تِسْعَةَ عَشَرَ )
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا . وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وُفُودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْهُ ، فَقَالَ قَائِلُونَ : شَاعِرٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : سَاحِرٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَاهِنٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَجْنُونٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 48 ] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ ، فَقَالَ : ( إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ )
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) أَيْ : سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ . 268
ثُمَّ قَالَ ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ) ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ .
ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ) أَيْ : تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وَعَصَبَهُمْ وَجُلُودَهُمْ ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا .
وَقَوْلُهُ : ( لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ لِلْجِلْدِ ، وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ : تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ) أَيْ : حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ .
وَقَوْلُهُ : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) أَيْ : مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ، فَقَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ : " ادْعُهُمْ ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي ، أَمَا إِنَّهَا دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ " ، فَجَاءُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ قَالَ : " أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ " ، فَقَالُوا : أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ ، فَقَالَ : كَأَنَّهَا خُبْزَةٌ بَيْضَاءُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدَّرْمَكِ " .
هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مِنْدَهْ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، غُلِبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ ، فَقَالَ : " بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ : سَأَلَتْهُمْ يَهُودُ : هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالُوا : لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا : لَا نَدْرِي حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ؟ عَلَيَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ ، لَكِنْ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً " ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ . قَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالَ : " هَكَذَا " ، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ ، مَرَّتَيْنِ ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرْمَكُ " ، فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالُوا : خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَقَالَ : " الْخُبْزُ مِنَ الدَّرْمَكِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، بِهِ ، وَقَالَ هُوَ وَالْبَزَّارُ : 269 لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ .
( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ( 18 ) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 19 ) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 ) ثُمَّ نَظَرَ ( 21 ) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ( 22 ) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ( 23 ) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ( 27 ) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ( 28 ) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( 29 ) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِهَذَا الْخَبِيثِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيَا ، فَكَفَرَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ، وَبَدَّلَهَا كُفْرًا ، وَقَابَلَهَا بِالْجُحُودِ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهَا ، وَجَعَلَهَا مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ . وَقَدْ عَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ حَيْثُ قَالَ : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) أَيْ : خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحْدَهُ لَا مَالَ لَهُ وَلَا وَلَدَ ، ثُمَّ رَزَقَهُ اللَّهُ ،
( مَالًا مَمْدُودًا ) أَيْ : وَاسِعًا كَثِيرًا ، قِيلَ : أَلْفُ دِينَارٍ . وَقِيلَ : مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ . وَقِيلَ : أَرْضًا يَسْتَغِلُّهَا . وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ .
وَجَعَلَ لَهُ ( وَبَنِينَ شُهُودًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا يَغِيبُونَ ، أَيْ : حُضُورًا عِنْدَهُ لَا يُسَافِرُونَ فِي التِّجَارَاتِ ، بَلْ مَوَالِيهِمْ وَأُجَرَاؤُهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَهُمْ قُعُودٌ عِنْدَ أَبِيهِمْ ، يَتَمَتَّعُ بِهِمْ وَيَتَمَلَّى بِهِمْ . وَكَانُوا - فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ وَأَبُو مَالِكٍ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ - ثَلَاثَةَ عَشَرَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ : كَانُوا عَشْرَةً ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي النِّعْمَةِ [ وَهُوَ إِقَامَتُهُمْ عِنْدَهُ ] .
( وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ) أَيْ : مَكَّنْتُهُ مِنْ صُنُوفِ الْمَالِ وَالْأَثَاثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
( ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ) أَيْ : مُعَانِدًا ، وَهُوَ الْكُفْرُ عَلَى نِعَمِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ .
قَالَ اللَّهُ : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ 266 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَيْلٌ : وَادٍ فِي جَهَنَّمَ ، يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ ، وَالصَّعُودُ : جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ، ثُمَّ يَهْوِي بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا " .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْأَشْيَبِ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ : غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ . كَذَا قَالَ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، وَفِيهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - الْمَعْرُوفِ بِعَلَّانَ الْمِصْرِيِّ - قَالَ : حَدَّثَنَا مِنْجَابٌ ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهَنِيِّ ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ) قَالَ : " هُوَ جَبَلٌ فِي النَّارِ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ ذَابَتْ ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ ، فَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ ذَابَتْ ، وَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ " .
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ شَرِيكٍ ، بِهِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : صَعُودٌ : صَخْرَةٌ [ فِي جَهَنَّمَ ] عَظِيمَةٌ يُسْحَبُ عَلَيْهَا الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : صَعُودًا : صَخْرَةً مَلْسَاءَ فِي جَهَنَّمَ ، يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهَا .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ) أَيْ : مَشَقَّةً مِنَ الْعَذَابِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : عَذَابًا لَا رَاحَةَ فِيهِ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ) أَيْ : إِنَّمَا أَرْهَقْنَاهُ صُعُودًا ، أَيْ : قَرَّبْنَاهُ مِنَ الْعَذَابِ الشَّاقِّ ; لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ ، لِأَنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ، أَيْ : تَرَوَّى مَاذَا يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ ، فَفَكَّرَ مَاذَا يَخْتَلِقُ مِنَ الْمَقَالِ ، ( وَقَدَّرَ ) أَيْ : تَرَوَّى ، ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) دُعَاءٌ عَلَيْهِ ،
( ثُمَّ نَظَرَ ) أَيْ : أَعَادَ النَّظْرَةَ وَالتَّرَوِّيَ . ( ثُمَّ عَبَسَ ) أَيْ : قَبَضَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَطَّبَ ، ( وَبَسَرَ ) أَيْ : كَلَحَ وَكَرِهَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيْرِ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا صُدُودٌ رَأَيْتُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِعْرَاضُهَا عَنْ حَاجَتِي وَبُسُورُهَا ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ) أَيْ : صُرِفَ عَنِ الْحَقِّ ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى مُسْتَكْبِرًا عَنِ الِانْقِيَادِ لِلْقُرْآنِ .
( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) أَيْ : هَذَا سِحْرٌ يَنْقُلُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ عَمَّنْ قَبْلَهُ وَيَحْكِيهِ عَنْهُمْ ;
وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) أَيْ : لَيْسَ بِكَلَامِ اللَّهِ .
267
وَهَذَا الْمَذْكُورُ فِي هَذَا السِّيَاقِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ ، أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ فِي هَذَا مَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : دَخَلَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْقُرْآنِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ : يَا عَجَبًا لِمَا يَقُولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِشِعْرٍ ، وَلَا بِسَحْرٍ ، وَلَا بِهَذْيٍ مِنَ الْجُنُونِ ، وَإِنَّ قَوْلَهُ لِمَنْ كَلَامِ اللَّهِ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ النَّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ ائْتَمَرُوا ، فَقَالُوا : وَاللَّهِ لَئِنْ صَبَا الْوَلِيدُ لَتَصْبُوَنَّ قُرَيْشٌ ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : أَنَا وَاللَّهِ أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ ، فَقَالَ لِلْوَلِيدِ : أَلَمْ تَرَ قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ ؟ فَقَالَ : أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالًا وَوَلَدًا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ : يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ : أَقَدْ تَحَدَّثَ بِهِ عَشِيرَتِي؟ فَلَا وَاللَّهِ لَا أَقْرَبُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ ، وَلَا عُمَرَ ، وَلَا ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ ، وَمَا قَوْلُهُ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ )
وَقَالَ قَتَادَةُ : زَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ نَظَرْتُ فِيمَا قَالَ الرَّجُلُ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشِعْرٍ ، وَإِنَّ لَهُ لَحَلَاوَةٌ ، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَمَا يَعْلَى ، وَمَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) الْآيَةَ . ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) قَبَضَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَكَلَحَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ ، فَأَتَاهُ فَقَالَ : أَيْ عَمُّ ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا . قَالَ : لِمَ ؟ قَالَ : يُعْطُونَكَهُ ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ . قَالَ : قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا . قَالَ : فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يُعْلِمُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لِمَا قَالَ ، وَأَنَّكَ كَارِهٌ لَهُ . قَالَ : فَمَاذَا أَقُولُ فِيهِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي ، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجْزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ لَحَلَاوَةً ، وَإِنَّهُ لَيُحَطِّمُ مَا تَحْتَهُ ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يَعْلَى . وَقَالَ : وَاللَّهِ لَا يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ . قَالَ : فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ ، فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ : إِنَّ هَذَا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ ، فَنَزَلَتْ : ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ) [ قَالَ قَتَادَةُ : خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَحِيدًا ] حَتَّى بَلَغَ : ( تِسْعَةَ عَشَرَ )
وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ نَحْوًا مِنْ هَذَا . وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّهُمْ لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيُجْمِعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَوْلٍ يَقُولُونَهُ فِيهِ ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وُفُودُ الْعَرَبِ لِلْحَجِّ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْهُ ، فَقَالَ قَائِلُونَ : شَاعِرٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : سَاحِرٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَاهِنٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَجْنُونٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 48 ] كُلُّ هَذَا وَالْوَلِيدُ يُفَكِّرُ فِيمَا يَقُولُهُ فِيهِ ، فَفَكَّرَ وَقَدَّرَ ، وَنَظَرَ وَعَبَسَ وَبَسَرَ ، فَقَالَ : ( إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ )
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ) أَيْ : سَأَغْمُرُهُ فِيهَا مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ . 268
ثُمَّ قَالَ ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ) ؟ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لِأَمْرِهَا وَتَفْخِيمٌ .
ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : ( لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ) أَيْ : تَأْكُلُ لُحُومَهُمْ وَعُرُوقَهُمْ وَعَصَبَهُمْ وَجُلُودَهُمْ ، ثُمَّ تُبَدَّلُ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَحْيَوْنَ ، قَالَهُ ابْنُ بُرَيْدَةَ وَأَبُو سِنَانٍ وَغَيْرُهُمَا .
وَقَوْلُهُ : ( لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ لِلْجِلْدِ ، وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ : تَلْفَحُ الْجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أَسْوَدَ مِنَ اللَّيْلِ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : تَلُوحُ أَجْسَادُهُمْ عَلَيْهَا . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ) أَيْ : حَرَّاقَةٌ لِلْجِلْدِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَحْرِقُ بَشْرَةَ الْإِنْسَانِ .
وَقَوْلُهُ : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) أَيْ : مِنْ مُقَدِّمِي الزَّبَانِيَةِ ، عَظِيمٌ خَلْقُهُمْ ، غَلِيظٌ خُلُقُهُمْ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، أَخْبَرَنِي حُرَيْثٌ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) قَالَ إِنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ، فَقَالَ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ سَاعَتَئِذٍ : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ : " ادْعُهُمْ ، أَمَا إِنِّي سَائِلُهُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ إِنْ أَتَوْنِي ، أَمَا إِنَّهَا دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ " ، فَجَاءُوهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ، فَأَهْوَى بِأَصَابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ وَأَمْسَكَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ قَالَ : " أَخْبِرُونِي عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ " ، فَقَالُوا : أَخْبِرْهُمْ يَا ابْنَ سَلَامٍ ، فَقَالَ : كَأَنَّهَا خُبْزَةٌ بَيْضَاءُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا إِنَّ الْخُبْزَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الدَّرْمَكِ " .
هَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مِنْدَهْ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، غُلِبَ أَصْحَابُكَ الْيَوْمَ ، فَقَالَ : " بِأَيِّ شَيْءٍ؟ " قَالَ : سَأَلَتْهُمْ يَهُودُ : هَلْ أَعْلَمَكُمْ نَبِيُّكُمْ عِدَّةَ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالُوا : لَا نَعْلَمُ حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمَّا لَا يَدْرُونَ فَقَالُوا : لَا نَدْرِي حَتَّى نَسْأَلَ نَبِيَّنَا ؟ عَلَيَّ بِأَعْدَاءِ اللَّهِ ، لَكِنْ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً " ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَدَعَاهُمْ . قَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ ؟ قَالَ : " هَكَذَا " ، وَطَبَّقَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ طَبَّقَ كَفَّيْهِ ، مَرَّتَيْنِ ، وَعَقَدَ وَاحِدَةً ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " إِنْ سُئِلْتُمْ عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ فَهِيَ الدَّرْمَكُ " ، فَلَمَّا سَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِعِدَّةِ خَزَنَةِ أَهْلِ النَّارِ ، قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ؟ " فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَقَالُوا : خُبْزَةٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَقَالَ : " الْخُبْزُ مِنَ الدَّرْمَكِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، بِهِ ، وَقَالَ هُوَ وَالْبَزَّارُ : 269 لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ . وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، فَقَصَّ الدَّرْمَكَ فَقَطْ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith