تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
244 ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ( 18 ) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ( 19 ) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ( 20 ) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ( 21 ) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ( 22 ) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ( 23 ) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ( 24 ) )
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ أَنْ يُوَحِّدُوهُ فِي مَجَالِ عِبَادَتِهِ ، وَلَا يُدْعَى مَعَهُ أَحَدٌ وَلَا يُشْرَكُ بِهِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) قَالَ : كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ ، أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَحْدَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ ، أَخْبَرَنَا رَجُلٌ سَمَّاهُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ - أَوْ أَبِي صَالِحٍ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) قَالَ : لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَرْضِ مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ إِيلِيَّا : بَيْتَ الْمَقْدِسِ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ : قَالَتِ الْجِنُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لَنَا نَشْهَدْ مَعَكَ الصَّلَوَاتِ فِي مَسْجِدِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) يَقُولُ : صَلُّوا ، لَا تُخَالِطُوا النَّاسَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ مَحْمُودٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) قَالَ : قَالَتِ الْجِنُّ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَ الْمَسْجِدَ وَنَحْنُ نَاءُونَ [ عَنْكَ ] ؟ ، وَكَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَنَحْنُ نَاءُونَ عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتْ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا )
وَقَالَ سُفْيَانُ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : نَزَلَتْ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . نَزَلَتْ فِي أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، أَيْ : هِيَ لِلَّهِ فَلَا تَسْجُدُوا بِهَا لِغَيْرِهِ . وَذَكَرُوا عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ : عَلَى الْجَبْهَةِ - أَشَارَ بِيَدَيْهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ "
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمَّا سَمِعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الْحِرْصِ لَمَّا سَمِعُوهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ ، وَدَنَوْا مِنْهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتَّى أَتَاهُ الرَّسُولُ فَجَعَلَ يُقْرِئُهُ : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ .
هَذَا قَوْلٌ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ 245 عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ الْجِنُّ لِقَوْمِهِمْ : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قَالَ : لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَأَصْحَابُهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ ، قَالُوا : عَجِبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ ، قَالَ : فَقَالُوا لِقَوْمِهِمْ : ( لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا )
وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا .
وَقَالَ الْحَسَنُ : لَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى رَبِّهِمْ ، كَادَتِ الْعَرَبُ تَلْبُدُ عَلَيْهِ جَمِيعًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قَالَ : تَلَبَّدَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لِيُطْفِئُوهُ ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُمْضِيَهُ وَيُظْهِرَهُ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ .
هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ : ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) أَيْ : قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - لَمَّا آذَوْهُ وَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ وَتَظَاهَرُوا عَلَيْهِ ، لِيُبْطِلُوا مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَاجْتَمَعُوا عَلَى عَدَاوَتِهِ : ( إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ) أَيْ : إِنَّمَا أَعْبُدُ رَبِّي وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَسْتَجِيرُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، ( وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا )
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ) أَيْ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ، وَعَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ فِي هِدَايَتِكُمْ وَلَا غَوَايَتِكُمْ ، بَلِ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُجِيرُهُ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ، أَيْ : لَوْ عَصَيْتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِنْقَاذِي مِنْ عَذَابِهِ ، ( وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ : لَا مَلْجَأَ . وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا : ( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) أَيْ : لَا نَصِيرَ وَلَا مَلْجَأَ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَا وَلِيَّ وَلَا مَوْئِلَ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ) قَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ) ( إِلَّا بَلَاغًا ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ : ( لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ) أَيْ : لَا يُجِيرُنِي مِنْهُ وَيُخَلِّصُنِي إِلَّا إِبْلَاغِي الرِّسَالَةَ الَّتِي أَوْجَبَ أَدَاءَهَا عَلَيَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) [ الْمَائِدَةِ : 67 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) أَيْ : أَنَمَا أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ ، فَمَنْ يَعْصِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ جَزَاءٌ عَلَى ذَلِكَ نَارُ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ، أَيْ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا ، وَلَا خُرُوجَ 246 لَهُمْ مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ) أَيْ : حَتَّى إِذَا رَأَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَا يُوعِدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَسَيَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ، هُمْ أَمِ الْمُؤْمِنُونَ الْمُوَحِّدُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَيْ : بَلِ الْمُشْرِكِينَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ أَنْ يُوَحِّدُوهُ فِي مَجَالِ عِبَادَتِهِ ، وَلَا يُدْعَى مَعَهُ أَحَدٌ وَلَا يُشْرَكُ بِهِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) قَالَ : كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ ، أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَحْدَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ بِنْتِ السُّدِّيِّ ، أَخْبَرَنَا رَجُلٌ سَمَّاهُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ - أَوْ أَبِي صَالِحٍ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) قَالَ : لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَرْضِ مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَسْجِدَ إِيلِيَّا : بَيْتَ الْمَقْدِسِ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ : قَالَتِ الْجِنُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لَنَا نَشْهَدْ مَعَكَ الصَّلَوَاتِ فِي مَسْجِدِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) يَقُولُ : صَلُّوا ، لَا تُخَالِطُوا النَّاسَ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ مَحْمُودٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ) قَالَ : قَالَتِ الْجِنُّ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَ الْمَسْجِدَ وَنَحْنُ نَاءُونَ [ عَنْكَ ] ؟ ، وَكَيْفَ نَشْهَدُ الصَّلَاةَ وَنَحْنُ نَاءُونَ عَنْكَ ؟ فَنَزَلَتْ : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا )
وَقَالَ سُفْيَانُ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : نَزَلَتْ فِي الْمَسَاجِدِ كُلِّهَا .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . نَزَلَتْ فِي أَعْضَاءِ السُّجُودِ ، أَيْ : هِيَ لِلَّهِ فَلَا تَسْجُدُوا بِهَا لِغَيْرِهِ . وَذَكَرُوا عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ : عَلَى الْجَبْهَةِ - أَشَارَ بِيَدَيْهِ إِلَى أَنْفِهِ - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ "
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمَّا سَمِعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الْحِرْصِ لَمَّا سَمِعُوهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ ، وَدَنَوْا مِنْهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتَّى أَتَاهُ الرَّسُولُ فَجَعَلَ يُقْرِئُهُ : ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ .
هَذَا قَوْلٌ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ 245 عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ الْجِنُّ لِقَوْمِهِمْ : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قَالَ : لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَأَصْحَابُهُ يَرْكَعُونَ بِرُكُوعِهِ وَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ ، قَالُوا : عَجِبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ ، قَالَ : فَقَالُوا لِقَوْمِهِمْ : ( لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا )
وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا .
وَقَالَ الْحَسَنُ : لَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى رَبِّهِمْ ، كَادَتِ الْعَرَبُ تَلْبُدُ عَلَيْهِ جَمِيعًا .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ) قَالَ : تَلَبَّدَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ لِيُطْفِئُوهُ ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُمْضِيَهُ وَيُظْهِرَهُ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُ .
هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وَاخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ : ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ) أَيْ : قَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ - لَمَّا آذَوْهُ وَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ وَتَظَاهَرُوا عَلَيْهِ ، لِيُبْطِلُوا مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَاجْتَمَعُوا عَلَى عَدَاوَتِهِ : ( إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ) أَيْ : إِنَّمَا أَعْبُدُ رَبِّي وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَسْتَجِيرُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ ، ( وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا )
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ) أَيْ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ، وَعَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ فِي هِدَايَتِكُمْ وَلَا غَوَايَتِكُمْ ، بَلِ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُجِيرُهُ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ، أَيْ : لَوْ عَصَيْتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى إِنْقَاذِي مِنْ عَذَابِهِ ، ( وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ : لَا مَلْجَأَ . وَقَالَ قَتَادَةُ أَيْضًا : ( قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ) أَيْ : لَا نَصِيرَ وَلَا مَلْجَأَ . وَفِي رِوَايَةٍ : لَا وَلِيَّ وَلَا مَوْئِلَ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ) قَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ : ( لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ) ( إِلَّا بَلَاغًا ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ : ( لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ) أَيْ : لَا يُجِيرُنِي مِنْهُ وَيُخَلِّصُنِي إِلَّا إِبْلَاغِي الرِّسَالَةَ الَّتِي أَوْجَبَ أَدَاءَهَا عَلَيَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) [ الْمَائِدَةِ : 67 ]
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) أَيْ : أَنَمَا أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَةَ اللَّهِ ، فَمَنْ يَعْصِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ جَزَاءٌ عَلَى ذَلِكَ نَارُ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ، أَيْ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا ، وَلَا خُرُوجَ 246 لَهُمْ مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ) أَيْ : حَتَّى إِذَا رَأَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَا يُوعِدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَسَيَعْلَمُونَ يَوْمَئِذٍ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ، هُمْ أَمِ الْمُؤْمِنُونَ الْمُوَحِّدُونَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَيْ : بَلِ الْمُشْرِكِينَ لَا نَاصِرَ لَهُمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith