تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1898 · printed p. 235
( قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ( 21 ) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ( 22 ) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ( 23 ) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ( 24 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ أَنْهَى إِلَيْهِ ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ ، أَنَّهُ مَعَ الْبَيَانِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَالدَّعْوَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الْمُتَشَمِّلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ تَارَةً وَالتَّرْهِيبِ أُخْرَى : أَنَّهُمْ عَصَوْهُ وَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ ، وَاتَّبَعُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا مِمَّنْ غَفَلَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وَمُتِّعَ بِمَالٍ وَأَوْلَادٍ ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اسْتِدْرَاجٌ وَإِنْظَارٌ لَا إِكْرَامٌ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ) قُرِئَ ) وَوُلْدُهُ ) بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ ، وَكِلَاهُمَا مُتَقَارِبٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) قَالَ مُجَاهِدٌ : ( كُبَّارًا ) أَيْ عَظِيمًا . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : ( كُبَّارًا ) أَيْ : كَبِيرًا . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : أَمْرٌ عَجِيبٌ وَعُجَابٌ وَعُجَّابٌ . وَرَجُلٌ حُسَانٌ ، وَحُسَّانٌ : وَجُمَالٌ وَجُمَّالٌ ، بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ : ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) أَيْ : بِاتِّبَاعِهِمْ فِي تَسْوِيلِهِمْ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى ، كَمَا يَقُولُونَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ) [ سَبَأٍ : 33 ] وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) وَهَذِهِ أَسْمَاءُ أَصْنَامِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : صَارَتِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ : أَمَّا وَدٌّ : فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ ; وَأَمَّا 235 سُوَاعٌ : فَكَانَتْ لِهُذَيْلٍ ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادَ ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجُرُفِ عِنْدَ سَبَأٍ ، أَمَّا يَعُوقُ : فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ ، وَأَمَّا نَسْرٌ : فَكَانَتْ لِحَمِيرَ لِآلِ ذِي كَلَاعٍ ، وَهِيَ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ ، فَفَعَلُوا ، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ وَقَتَادَةَ وَابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوُ هَذَا .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هَذِهِ أَصْنَامٌ كَانَتْ تُعْبَدُ فِي زَمَنِ نُوحٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُوسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ) [ يَغُوثَ ] وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قَالَ : كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ : لَوْ صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى الْعِبَادَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ ، فَصَوَّرُوهُمْ ، فَلَمَّا مَاتُوا وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَبِهِمْ يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ ، فَعَبَدُوهُمْ .
وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ شِيثَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي جُوَيْبِرٌ وَمُقَاتِلٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : وُلِدَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَرْبَعُونَ وَلَدًا ، عِشْرُونَ غُلَامًا وَعِشْرُونَ جَارِيَةً ، فَكَانَ مِمَّنْ عَاشَ مِنْهُمْ : هَابِيلُ وَقَابِيلُ وَصَالِحٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَالَّذِي كَانَ سَمَّاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ - وَوَدٌّ وَكَانَ وَدٌّ يُقَالُ لَهُ " شِيثَ " وَيُقَالُ لَهُ : " هِبَةُ اللَّهِ " وَكَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ سَوَّدُوهُ ، وَوُلِدَ لَهُ سُوَاعٌ وَيَغُوثُ وَيَعُوقُ وَنَسْرٌ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي حَزْرَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : اشْتَكَى آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَعِنْدَهُ بَنُوهُ : وَدٌّ وَيَغُوثُ [ وَيَعُوقُ ] وَسُوَاعٌ وَنَسْرٌ - قَالَ وَكَانَ وَدٌّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، عَنْ أَبِي الْمُطَهِّرِ قَالَ : ذَكَرُوا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ - وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي - يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ قَالَ : فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ : ذَكَرْتُمْ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَمَا إِنَّهُ قُتِلَ فِي أَوَّلِ أَرْضٍ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللَّهِ . قَالَ : ثُمَّ ذَكَرَ وَدًّا - قَالَ : وَكَانَ وَدٌّ رَجُلًا مُسْلِمًا وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي قَوْمِهِ ، فَلَمَّا مَاتَ عَسْكَرُوا حَوْلَ قَبْرِهِ فِي أَرْضِ بَابِلَ وَجَزِعُوا عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ جَزَعَهُمْ عَلَيْهِ ، تَشَبَّهَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي أَرَى جَزَعَكُمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ أُصَوِّرَ لَكُمْ مِثْلَهُ ، فَيَكُونَ فِي نَادِيكُمْ فَتَذْكُرُونَهُ ؟ قَالُوا : 236 نَعَمْ ، فَصُوِّرَ لَهُمْ مَثَلُهُ ، قَالَ : وَوَضَعُوهُ فِي نَادِيهِمْ وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِ قَالَ : هَلْ لَكُمْ أَنْ أَجْعَلَ فِي مَنْزِلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ تِمْثَالًا مِثْلَهُ ، فَيَكُونَ لَهُ فِي بَيْتِهِ فَتَذْكُرُونَهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَمَثَّلَ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ تِمْثَالًا مِثْلَهُ ، فَأَقْبَلُوا فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ ، قَالَ : وَأَدْرَكَ أَبْنَاؤُهُمْ فَجَعَلُوا يَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِهِ ، قَالَ وَتَنَاسَلُوا وَدَرَسَ أَمْرُ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ ، حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مَنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِمْ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا عُبِدَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ الصَّنَمُ الَّذِي سَمَّوْهُ وَدًّا .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ) يَعْنِي الْأَصْنَامَ الَّتِي اتَّخَذُوهَا أَضَلُّوا بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا ، فَإِنَّهُ اسْتَمَرَّتْ عِبَادَتُهَا فِي الْقُرُونِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَسَائِرِ صُنُوفِ بَنِي آدَمَ . وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي دُعَائِهِ : ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 35 ، 36 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ) دُعَاءٌ مِنْهُ عَلَى قَوْمِهِ لِتَمَرُّدِهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ ، كَمَا دَعَا مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَثَلِهِ فِي قَوْلِهِ : ( رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) [ يُونُسَ : 88 ] وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لِكُلٍّ مِنَ النَّبِيَّيْنِ فِي قَوْمِهِ ، وَأَغْرَقَ أُمَّتَهُ بِتَكْذِيبِهِمْ لِمَا جَاءَهُمْ بِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith