تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
226 ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ( 19 ) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ( 20 ) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ( 21 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ( 22 ) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ( 23 ) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 25 ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 26 ) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ( 27 ) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ( 28 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ( 29 ) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ( 30 ) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ( 31 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ( 32 ) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ( 33 ) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ( 34 ) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ( 35 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْإِنْسَانِ وَمَا هُوَ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ) أَيْ : إِذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ فَزِعَ وَجَزِعَ وَانْخَلَعَ قَلْبُهُ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ ، وَأَيِسَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ .
( وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) أَيْ : إِذَا حَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بَخِلَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَنَعَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ شُحٌ هَالِعٌ ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي بِهِ ، وَلَيْسَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَهُ سِوَاهُ .
ثُمَّ قَالَ : ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) أَيِ : الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الذَّمِّ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ ، وَهَدَاهُ إِلَى الْخَيْرِ وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابَهُ ، وَهُمُ الْمُصَلُّونَ ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ يُحَافِظُونَ عَلَى أَوْقَاتِهِمْ وَوَاجِبَاتِهِمْ . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَسْرُوقٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالدَّوَامِ هَاهُنَا السُّكُونُ وَالْخُشُوعُ ، كَقَوْلِهِ : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 1 ، 2 ] . قَالَهُ عُتْبَةُ بْنُ عَامِرٍ . وَمِنْهُ الْمَاءُ الدَّائِمُ ، أَيِ : السَّاكِنُ الرَّاكِدُ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الَّذِينَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا دَاوَمُوا عَلَيْهِ وَأَثْبَتُوهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ " . وَفِي لَفْظٍ : " مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ " ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا دَاوَمَ عَلَيْهِ . وَفِي لَفْظٍ : أَثْبَتَهُ .
227
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) ذُكِرَ لَنَا أَنَّ دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، نَعَتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يُصَلُّونَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا قَوْمُ نُوحٍ مَا غَرِقُوا ، أَوْ قَوْمُ عَادٍ مَا أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْعَقِيمُ ، أَوْ ثَمُودُ مَا أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا خُلُقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسَنٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) أَيْ : فِي أَمْوَالِهِمْ نَصِيبٌ مُقَرِّرٌ لِذَوِي الْحَاجَاتِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي " سُورَةِ الذَّارِيَاتِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) أَيْ : يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ ، فَهُمْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ وَيَخَافُ الْعِقَابَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) أَيْ : خَائِفُونَ وَجِلُونَ ، ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ) أَيْ : لَا يَأْمَنُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ إِلَّا بِأَمَانٍ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) أَيْ : يَكُفُّونَهَا عَنِ الْحَرَامِ وَيَمْنَعُونَهَا أَنْ تُوضَعَ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ [ فِيهِ ] وَلِهَذَا قَالَ : ( إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) أَيْ : مِنَ الْإِمَاءِ ، ( فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) بِمَا أَغْنَى عَنِّي إِعَادَتَهُ هَا هُنَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) أَيْ : إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا ، وَإِذَا عَاهَدُوا لَمْ يَغْدِرُوا . وَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَضِدُّهَا صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ) أَيْ : مُحَافِظُونَ عَلَيْهَا لَا يَزِيدُونَ فِيهَا ، وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهَا ، وَلَا يَكْتُمُونَهَا ، ( وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) [ الْبَقَرَةِ : 283 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) أَيْ : عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَمُسْتَحِبَّاتِهَا ، فَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ وَاخْتَتَمَهُ بِذِكْرِهَا ، فَدَلَّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَالتَّنْوِيهِ بِشَرَفِهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) ; سَوَاءٌ لِهَذَا قَالَ هُنَاكَ : ( أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 10 ، 11 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ) أَيْ : مُكْرَمُونَ بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ وَالْمَسَارِّ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْإِنْسَانِ وَمَا هُوَ مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيئَةِ : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ : ( إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ) أَيْ : إِذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ فَزِعَ وَجَزِعَ وَانْخَلَعَ قَلْبُهُ مِنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ ، وَأَيِسَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرٌ .
( وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) أَيْ : إِذَا حَصَلَتْ لَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بَخِلَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ ، وَمَنَعَ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شَرُّ مَا فِي رَجُلٍ شُحٌ هَالِعٌ ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي بِهِ ، وَلَيْسَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَهُ سِوَاهُ .
ثُمَّ قَالَ : ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) أَيِ : الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الذَّمِّ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُ ، وَهَدَاهُ إِلَى الْخَيْرِ وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابَهُ ، وَهُمُ الْمُصَلُّونَ ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ يُحَافِظُونَ عَلَى أَوْقَاتِهِمْ وَوَاجِبَاتِهِمْ . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَسْرُوقٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالدَّوَامِ هَاهُنَا السُّكُونُ وَالْخُشُوعُ ، كَقَوْلِهِ : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 1 ، 2 ] . قَالَهُ عُتْبَةُ بْنُ عَامِرٍ . وَمِنْهُ الْمَاءُ الدَّائِمُ ، أَيِ : السَّاكِنُ الرَّاكِدُ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الَّذِينَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا دَاوَمُوا عَلَيْهِ وَأَثْبَتُوهُ ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ " . وَفِي لَفْظٍ : " مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ " ، قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا دَاوَمَ عَلَيْهِ . وَفِي لَفْظٍ : أَثْبَتَهُ .
227
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) ذُكِرَ لَنَا أَنَّ دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، نَعَتَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يُصَلُّونَ صَلَاةً لَوْ صَلَّاهَا قَوْمُ نُوحٍ مَا غَرِقُوا ، أَوْ قَوْمُ عَادٍ مَا أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْعَقِيمُ ، أَوْ ثَمُودُ مَا أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا خُلُقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسَنٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) أَيْ : فِي أَمْوَالِهِمْ نَصِيبٌ مُقَرِّرٌ لِذَوِي الْحَاجَاتِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي " سُورَةِ الذَّارِيَاتِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ) أَيْ : يُوقِنُونَ بِالْمَعَادِ وَالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ ، فَهُمْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ وَيَخَافُ الْعِقَابَ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) أَيْ : خَائِفُونَ وَجِلُونَ ، ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ) أَيْ : لَا يَأْمَنُهُ أَحَدٌ مِمَّنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ إِلَّا بِأَمَانٍ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) أَيْ : يَكُفُّونَهَا عَنِ الْحَرَامِ وَيَمْنَعُونَهَا أَنْ تُوضَعَ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ [ فِيهِ ] وَلِهَذَا قَالَ : ( إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ) أَيْ : مِنَ الْإِمَاءِ ، ( فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) بِمَا أَغْنَى عَنِّي إِعَادَتَهُ هَا هُنَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) أَيْ : إِذَا اؤْتُمِنُوا لَمْ يَخُونُوا ، وَإِذَا عَاهَدُوا لَمْ يَغْدِرُوا . وَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَضِدُّهَا صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : " آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ " . وَفِي رِوَايَةٍ : " إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ) أَيْ : مُحَافِظُونَ عَلَيْهَا لَا يَزِيدُونَ فِيهَا ، وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهَا ، وَلَا يَكْتُمُونَهَا ، ( وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) [ الْبَقَرَةِ : 283 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) أَيْ : عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَمُسْتَحِبَّاتِهَا ، فَافْتَتَحَ الْكَلَامَ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ وَاخْتَتَمَهُ بِذِكْرِهَا ، فَدَلَّ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِهَا وَالتَّنْوِيهِ بِشَرَفِهَا ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةٍ : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) ; سَوَاءٌ لِهَذَا قَالَ هُنَاكَ : ( أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 10 ، 11 ] وَقَالَ هَاهُنَا : ( أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ) أَيْ : مُكْرَمُونَ بِأَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ وَالْمَسَارِّ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith