تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1884 · printed p. 199
( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ( 42 ) )
( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ( 43 ) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ( 44 ) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 45 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 46 ) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ( 47 ) )
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، بَيَّنَ مَتَى ذَلِكَ كَائِنٌ وَوَاقِعٌ ، فَقَالَ : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ وَالزَّلَازِلِ وَالْبَلَاءِ وَالِامْتِحَانِ وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ . وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَا هُنَا :
حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " ۝ يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً ، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ طُرُقٍ وَلَهُ أَلْفَاظٌ ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ مَشْهُورٌ .
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) 199 قَالَ : هُوَ يَوْمُ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ثُمَّ قَالَ :
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، - أَوِ ابْنِ عَبَّاسٍ الشَّكُّ مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ - : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) قَالَ : عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَنْ سَاقٍ ﴿﴾
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) قَالَ : شِدَّةُ الْأَمْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ أَوَّلُ سَاعَةٍ تَكُونُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) قَالَ : شِدَّةُ الْأَمْرِ وَجِدُّهُ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) هُوَ الْأَمْرُ الشَّدِيدُ الْمُفْظِعُ مِنَ الْهَوْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) يَقُولُ : حِينَ يُكْشَفُ الْأَمْرُ وَتَبْدُو الْأَعْمَالُ . وَكَشْفُهُ دُخُولُ الْآخِرَةِ ، وَكَشْفُ الْأَمْرِ عَنْهُ . وَكَذَا رَوَى الضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ثُمَّ قَالَ :
حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عُمَرَ الْمَخْزُومِيُّ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ رَوْحُ بْنِ جَنَاحٍ ، عَنْ مَوْلًى لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) قَالَ : " عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ ، يَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا " .
وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ يَحْيَى ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِهِ ، وَفِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
200
وَقَوْلُهُ : ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) أَيْ : فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِإِجْرَامِهِمْ ، وَتَكَبُّرِهِمْ فِي الدُّنْيَا ، فَعُوقِبُوا بِنَقِيضِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ . وَلَمَّا دُعُوا إِلَى السُّجُودِ فِي الدُّنْيَا فَامْتَنَعُوا مِنْهُ مَعَ صِحَّتِهِمْ ، وَسَلَامَتِهِمْ كَذَلِكَ عُوقِبُوا بِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ ، إِذَا تَجَلَّى الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ ، فَيَسْجُدُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ الْكَافِرِينَ وَلَا الْمُنَافِقِينَ أَنْ يَسْجُدَ ، بَلْ يَعُودُ ظَهْرُ أَحَدِهِمْ طَبَقًا وَاحِدًا ، كُلَّمَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ لِقَفَاهُ ، عَكْسَ السُّجُودِ ، كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا ، بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ) يَعْنِي : الْقُرْآنَ . وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ، أَيْ : دَعْنِي وَإِيَّاهُ مِنِّي وَمِنْهُ ، أَنَا أَعْلَمُ بِهِ كَيْفَ أَسْتَدْرِجُهُ ، وَأَمُدُّهُ فِي غَيِّهِ وَأَنْظُرُ ، ثُمَّ آخُذُهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، بَلْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كَرَامَةٌ ، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إِهَانَةٌ ، كَمَا قَالَ : ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 55 ، 56 ] ، وَقَالَ : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ) [ الْأَنْعَامِ : 44 ] . وَلِهَذَا قَالَ هَا هُنَا : ( وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) أَيْ : وَأُؤَخِّرُهُمْ ، وَأُنْظِرُهُمْ ، وَأَمُدُّهُمْ ، وَذَلِكَ مِنْ كَيْدِي وَمَكْرِي بِهِمْ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ) أَيْ : عَظِيمٌ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرِي ، وَكَذَّبَ رُسُلِي ، وَاجْتَرَأَ عَلَى مَعْصِيَتِي .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : " ۝ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ " . ثُمَّ قَرَأَ : ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) [ هُودٍ : 102 ] .
وَقَوْلُهُ : ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمَا فِي سُورَةِ " الطُّورِ " ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : أَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ تَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بِلَا أَجْرٍ تَأْخُذُهُ مِنْهُمْ ، بَلْ تَرْجُو ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُمْ يُكَذِّبُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ ، بِمُجَرَّدِ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ وَالْعِنَادِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith