تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 186 · printed p. 573
( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( 216 ) )
هَذَا إِيجَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْجِهَادِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ : أَنْ يَكُفُّوا شَرَّ الْأَعْدَاءِ عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ .
573
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، غَزَا أَوْ قَعَدَ ; فَالْقَاعِدُ عَلَيْهِ إِذَا اسْتُعِينَ أَنْ يُعِينَ ، وَإِذَا اسْتُغِيثَ أَنْ يُغِيثَ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرَ أَنْ يَنْفِرَ ، وَإِنْ لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ قَعَدَ .
قُلْتُ : وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ۝ " مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ الْفَتْحِ : " لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا " .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ) أَيْ : شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ وَمَشَقَّةٌ . وَهُوَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يُقْتَلَ أَوْ يُجْرَحَ مَعَ مَشَقَّةِ السَّفَرِ وَمُجَالَدَةِ الْأَعْدَاءِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) أَيْ : لِأَنَّ الْقِتَالَ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى بِلَادِهِمْ ، وَأَمْوَالِهِمْ ، وَذَرَارِيِّهِمْ ، وَأَوْلَادِهِمْ .
( وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ) وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا ، قَدْ يُحِبُّ الْمَرْءُ شَيْئًا ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ خِيَرَةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ . وَمِنْ ذَلِكَ الْقُعُودُ عَنِ الْقِتَالِ ، قَدْ يَعْقُبُهُ اسْتِيلَاءُ الْعَدُوِّ عَلَى الْبِلَادِ وَالْحُكْمِ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) أَيْ : هُوَ أَعْلَمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ مِنْكُمْ ، وَأَخْبَرُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ ; فَاسْتَجِيبُوا لَهُ ، وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ ، لَعَلَّكُمْ تَرْشُدُونَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith