تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِينَ ( 198 ) )
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ ، وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقَ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، بِهِ .
وَلِبَعْضِهِمْ : فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ مَتْجَرُ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانُوا يَتَّقُونَ الْبُيُوعَ وَالتِّجَارَةَ فِي الْمَوْسِمِ ، وَالْحَجِّ ، يَقُولُونَ : أَيَّامُ ذِكْرٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ قَبْلَ 550 الْإِحْرَامِ وَبَعْدَهُ . وَهَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ وَكِيعٌ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " . [ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ أَبِيهِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ : سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " ] .
وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَهَكَذَا فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي أُمَيْمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ فَقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ )
وَهَذَا مَوْقُوفٌ ، وَهُوَ قَوِيٌّ جَيِّدٌ . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا . قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا [ أَحْمَدُ بْنُ ] أَسْبَاطٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّا نُكْرِي ، فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ ، قَالَ : أَلَيْسَ تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ، وَتَأْتُونَ الْمُعَرَّفَ ، وَتَرْمُونَ الْجِمَارَ ، وَتُحَلِّقُونَ رُؤُوسَكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا : بَلَى . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنِ الذِي سَأَلْتَنِي فَلَمْ يُجِبْهُ ، حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " أَنْتُمْ حُجَّاجٌ " .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّا قَوْمٌ نُكْرِي ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا حَجٌّ . قَالَ : أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ كَمَا يُحْرِمُونَ ، وَتَطُوفُونَ كَمَا يَطُوفُونَ ، وَتَرْمُونَ كَمَا يَرْمُونَ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَأَنْتَ حَاجٌّ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتَ عَنْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) .
وَرَوَاهُ عَبْدُ [ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ ] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ . وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ 551 حُذَيْفَةَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، مَرْفُوعًا . وَهَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مَرْفُوعًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّا أُنَاسٌ نُكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَإِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَنَا ، فَهَلْ تَرَى لَنَا حَجًّا ؟ قَالَ : أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ ، وَتَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ، وَتَقِفُونَ الْمَنَاسِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : فَأَنْتُمْ حُجَّاجٌ . ثُمَّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ [ مِثْلِ ] الذِي سَأَلْتَ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ : فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فَدَعَا الرَّجُلَ ، فَتَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ : " أَنْتُمْ حُجَّاجٌ " .
وَكَذَا رَوَاهُ مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، وَشَرِيكٌ الْقَاضِي ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِهِ مَرْفُوعًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي طُلَيْقُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْفُقَيْمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ . قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّا قَوْمٌ نُكْرِي ، فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ : أَلْيْسَ تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ، وَتَأْتُونَ الْمُعَرَّفَ ، وَتَرْمُونَ الْجِمَارَ ، وَتُحَلِّقُونَ رُؤُوسَكُمْ ؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ لَهُ ، حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتُمْ حُجَّاجٌ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مَنْدَلٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، كُنْتُمْ تَتَّجِرُونَ فِي الْحَجِّ ؟ قَالَ : وَهَلْ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ إِلَّا فِي الْحَجِّ ؟
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ )
إِنَّمَا صَرَفَ " عَرَفَاتٍ " وَإِنْ كَانَ عَلَمًا عَلَى مُؤَنَّثٍ ; لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ جَمْعٌ كَمُسْلِمَاتٍ وَمُؤْمِنَاتٍ ، سَمِّي بِهِ بُقْعَةٌ مُعَيَّنَةٌ ، فَرُوعِيَ فِيهِ الْأَصْلُ ، فَصُرِفَ . اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَعَرَفَةُ : مَوْضِعُ الْمَوْقِفِ فِي الْحَجِّ ، وَهِيَ عُمْدَةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ ; وَلِهَذَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ ، 552 قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " الْحَجُّ عَرَفَاتٌ - ثَلَاثًا - فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، فَقَدْ أَدْرَكَ . وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ " .
وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَقَالَ : " لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " .
وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : " فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ " وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ . وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ عَرَفَةَ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطَّائِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيْئٍ ، أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي ، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي ، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ، فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ " .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
ثُمَّ قِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَاتٌ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَحَجَّ بِهِ ، حَتَّى إِذَا أَتَى عَرَفَةَ قَالَ : عَرَفْتَ ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهَا مَرَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَةُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَةُ ، أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُرِي إِبْرَاهِيمَ الْمَنَاسِكَ ، فَيَقُولُ : عَرَفْتَ عَرَفْتَ . فَسُمِّيَ " عَرَفَاتٌ " . وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مِجْلَزٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَتُسَمَّى عَرَفَاتٌ الْمَشْعَرَ الْحَلَالَ ، وَالْمَشْعَرَ الْأَقْصَى ، وَإِلَالُ عَلَى وَزْنِ هِلَالُ وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ فِي وَسَطِهَا : جَبَلُ الرَّحْمَةِ . قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ :
﴿﴾ وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إِذَا قَصَدُوا لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَالُ إِلَى تِلْكَ الشِّرَاجِ الْقَوَابِلِ ﴿﴾
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَنْبَسَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، عَنْ زَمْعَةَ هُوَ ابْنُ 553 صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ ، كَأَنَّهَا الْعَمَائِمُ عَلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ ، دَفَعُوا ، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّفْعَةَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، وَزَادَ : ثُمَّ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ بِغَلَسٍ ، حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ كُلُّ شَيْءٍ وَكَانَ فِي الْوَقْتِ الْآخَرِ ، دَفَعَ . وَهَذَا حَسَنُ الْإِسْنَادِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ بِعَرَفَاتٍ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ وَكَانَ إِذَا خَطَبَ خُطْبَةً قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ ، أَلَا وَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ ، كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهَا ، وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهَا وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، مُخَالَفًا هَدْيُنَا هَدْيَ أَهْلِ الشِّرْكِ " .
هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَهَذَا لَفْظُهُ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْعَيْشِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِهِ . وَقَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . قَالَ : وَقَدْ صَحَّ وَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ سَمَاعَ الْمِسْوَرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا كَمَا يَتَوَهَّمُهُ رِعَاعُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مِمَّنْ لَهُ رُؤْيَةٌ بِلَا سَمَاعٍ .
وَقَالَ وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ [ الزُّبَيْدِيِّ ] عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حِينَ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ رَجُلًا أَصْلَعَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ ، يُوضِعُ وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّا وَجَدْنَا الْإِفَاضَةَ هِيَ الْإِيضَاعُ .
وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّوِيلِ ، الذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، قَالَ فِيهِ : فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا يَعْنِي بِعَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : " أَيُّهَا النَّاسُ ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ " . كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنَ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلُعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَفَعَ ؟ 554 قَالَ : " كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ " . وَالْعَنَقُ : هُوَ انْبِسَاطُ السَّيْرِ ، وَالنَّصُّ ، فَوْقَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ ، فِيمَا كَتَبَ إِلِيَّ ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلَهُ : ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) وَهِيَ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، فَسَكَتَ حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ أَيْدِي رَوَاحِلِنَا بِالْمُزْدَلِفَةِ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ؟ هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا .
وَقَالَ هُشَيْمٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) قَالَ : فَقَالَ : هُوَ الْجَبَلُ وَمَا حَوْلَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : رَآهُمُ ابْنُ عُمَرَ يَزْدَحِمُونَ عَلَى قُزَحَ ، فَقَالَ : عَلَامَ يَزْدَحِمُ هَؤُلَاءِ ؟ كُلُّ مَا هَاهُنَا مَشْعَرٌ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيْنَ الْمُزْدَلِفَةُ ؟ قَالَ : إِذَا أَفَضْتَ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ فَذَلِكَ إِلَى مُحَسَّرٍ . قَالَ : وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مَأْزِمَا عَرَفَةَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ ، وَلَكِنْ مُفَاضَاهُمَا . قَالَ : فَقِفْ بَيْنَهُمَا إِنْ شِئْتَ ، قَالَ : وَأُحِبُّ أَنْ تَقِفَ دُونَ قُزَحَ ، هَلُمَّ إِلَيْنَا مِنْ أَجْلِ طَرِيقِ النَّاسِ .
قُلْتُ : وَالْمَشَاعِرُ هِيَ الْمَعَالِمُ الظَّاهِرَةُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ; لِأَنَّهَا دَاخِلُ الْحَرَمِ ، وَهَلِ الْوُقُوفُ بِهَا رُكْنٌ فِي الْحَجِّ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، مِنْهُمْ : الْقَفَّالُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ؟ أَوْ وَاجِبٌ ، كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ يُجْبَرُ بِدَمٍ ؟ أَوْ مُسْتَحَبٌّ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ ؟ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ ، لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
555
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا مُحَسَّرًا " .
هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : " كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ ، وَارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ . وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسَّرٍ ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ " .
وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى هَذَا وَهُوَ الْأَشْدَقُ لَمْ يُدْرِكْ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ . وَلَكِنْ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَسُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ : عَنِ ابْنٍ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقَالَ سُوَيْدٌ : عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) تَنْبِيهٌ لَهُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى مَشَاعِرَ الْحَجِّ ، عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) قِيلَ : مِنْ قَبْلِ هَذَا الْهَدْيِ ، وَقَبْلَ الْقُرْآنِ ، وَقَبْلَ الرَّسُولِ ، وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ ، وَمُتَلَازِمٌ ، وَصَحِيحٌ .
قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ ، وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقَ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، بِهِ .
وَلِبَعْضِهِمْ : فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ مَتْجَرُ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُ ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانُوا يَتَّقُونَ الْبُيُوعَ وَالتِّجَارَةَ فِي الْمَوْسِمِ ، وَالْحَجِّ ، يَقُولُونَ : أَيَّامُ ذِكْرٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ قَبْلَ 550 الْإِحْرَامِ وَبَعْدَهُ . وَهَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ وَكِيعٌ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيُّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " . [ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : عَنْ أَبِيهِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ : سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ : " لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ " ] .
وَرَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ ، سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً . وَهَكَذَا فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَقَتَادَةُ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي أُمَيْمَةَ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ فَقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ )
وَهَذَا مَوْقُوفٌ ، وَهُوَ قَوِيٌّ جَيِّدٌ . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا . قَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا [ أَحْمَدُ بْنُ ] أَسْبَاطٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّا نُكْرِي ، فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ ، قَالَ : أَلَيْسَ تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ، وَتَأْتُونَ الْمُعَرَّفَ ، وَتَرْمُونَ الْجِمَارَ ، وَتُحَلِّقُونَ رُؤُوسَكُمْ ؟ قَالَ : قُلْنَا : بَلَى . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنِ الذِي سَأَلْتَنِي فَلَمْ يُجِبْهُ ، حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فَدَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : " أَنْتُمْ حُجَّاجٌ " .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّا قَوْمٌ نُكْرِي ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا حَجٌّ . قَالَ : أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ كَمَا يُحْرِمُونَ ، وَتَطُوفُونَ كَمَا يَطُوفُونَ ، وَتَرْمُونَ كَمَا يَرْمُونَ ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ : فَأَنْتَ حَاجٌّ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتَ عَنْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) .
وَرَوَاهُ عَبْدُ [ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ ] عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ . وَهَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ 551 حُذَيْفَةَ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، مَرْفُوعًا . وَهَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مَرْفُوعًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّا أُنَاسٌ نُكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَإِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَنَا ، فَهَلْ تَرَى لَنَا حَجًّا ؟ قَالَ : أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ ، وَتَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ، وَتَقِفُونَ الْمَنَاسِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : فَأَنْتُمْ حُجَّاجٌ . ثُمَّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ [ مِثْلِ ] الذِي سَأَلْتَ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ : فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) فَدَعَا الرَّجُلَ ، فَتَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَقَالَ : " أَنْتُمْ حُجَّاجٌ " .
وَكَذَا رَوَاهُ مَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، وَشَرِيكٌ الْقَاضِي ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بِهِ مَرْفُوعًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي طُلَيْقُ بْنُ مُحَمَّدِ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْفُقَيْمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ . قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ : إِنَّا قَوْمٌ نُكْرِي ، فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ : أَلْيْسَ تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ ، وَتَأْتُونَ الْمُعَرَّفَ ، وَتَرْمُونَ الْجِمَارَ ، وَتُحَلِّقُونَ رُؤُوسَكُمْ ؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ عَنِ الذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ لَهُ ، حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِهَذِهِ الْآيَةِ : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنْتُمْ حُجَّاجٌ " .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مَنْدَلٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُهَاجِرِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، كُنْتُمْ تَتَّجِرُونَ فِي الْحَجِّ ؟ قَالَ : وَهَلْ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ إِلَّا فِي الْحَجِّ ؟
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ )
إِنَّمَا صَرَفَ " عَرَفَاتٍ " وَإِنْ كَانَ عَلَمًا عَلَى مُؤَنَّثٍ ; لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ جَمْعٌ كَمُسْلِمَاتٍ وَمُؤْمِنَاتٍ ، سَمِّي بِهِ بُقْعَةٌ مُعَيَّنَةٌ ، فَرُوعِيَ فِيهِ الْأَصْلُ ، فَصُرِفَ . اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَعَرَفَةُ : مَوْضِعُ الْمَوْقِفِ فِي الْحَجِّ ، وَهِيَ عُمْدَةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ ; وَلِهَذَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ ، 552 قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " الْحَجُّ عَرَفَاتٌ - ثَلَاثًا - فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، فَقَدْ أَدْرَكَ . وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ " .
وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَقَالَ : " لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " .
وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : " فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ " وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ . وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ عَرَفَةَ . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَامٍ الطَّائِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيْئٍ ، أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي ، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي ، وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ، فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ ، وَقَضَى تَفَثَهُ " .
رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَهْلُ السُّنَنِ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
ثُمَّ قِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَاتٌ لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِلَى إِبْرَاهِيمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَحَجَّ بِهِ ، حَتَّى إِذَا أَتَى عَرَفَةَ قَالَ : عَرَفْتَ ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهَا مَرَّةً قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَةُ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَةُ ، أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُرِي إِبْرَاهِيمَ الْمَنَاسِكَ ، فَيَقُولُ : عَرَفْتَ عَرَفْتَ . فَسُمِّيَ " عَرَفَاتٌ " . وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مِجْلَزٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَتُسَمَّى عَرَفَاتٌ الْمَشْعَرَ الْحَلَالَ ، وَالْمَشْعَرَ الْأَقْصَى ، وَإِلَالُ عَلَى وَزْنِ هِلَالُ وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ فِي وَسَطِهَا : جَبَلُ الرَّحْمَةِ . قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ :
﴿﴾ وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إِذَا قَصَدُوا لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ إِلَالُ إِلَى تِلْكَ الشِّرَاجِ الْقَوَابِلِ ﴿﴾
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَنْبَسَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ ، عَنْ زَمْعَةَ هُوَ ابْنُ 553 صَالِحٍ عَنْ سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ وَهْرَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ ، كَأَنَّهَا الْعَمَائِمُ عَلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ ، دَفَعُوا ، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّفْعَةَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ .
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، وَزَادَ : ثُمَّ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ ، وَصَلَّى الْفَجْرَ بِغَلَسٍ ، حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ كُلُّ شَيْءٍ وَكَانَ فِي الْوَقْتِ الْآخَرِ ، دَفَعَ . وَهَذَا حَسَنُ الْإِسْنَادِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ بِعَرَفَاتٍ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : " أَمَّا بَعْدُ وَكَانَ إِذَا خَطَبَ خُطْبَةً قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ الْحَجَّ الْأَكْبَرَ ، أَلَا وَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالْأَوْثَانِ كَانُوا يَدْفَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ ، كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهَا ، وَإِنَّا نَدْفَعُ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ ، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهَا وَإِنَّا نَدْفَعُ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، مُخَالَفًا هَدْيُنَا هَدْيَ أَهْلِ الشِّرْكِ " .
هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَهَذَا لَفْظُهُ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْعَيْشِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِهِ . وَقَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . قَالَ : وَقَدْ صَحَّ وَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ سَمَاعَ الْمِسْوَرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا كَمَا يَتَوَهَّمُهُ رِعَاعُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مِمَّنْ لَهُ رُؤْيَةٌ بِلَا سَمَاعٍ .
وَقَالَ وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ [ الزُّبَيْدِيِّ ] عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حِينَ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ رَجُلًا أَصْلَعَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ ، يُوضِعُ وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّا وَجَدْنَا الْإِفَاضَةَ هِيَ الْإِيضَاعُ .
وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّوِيلِ ، الذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، قَالَ فِيهِ : فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا يَعْنِي بِعَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى : " أَيُّهَا النَّاسُ ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ " . كُلَّمَا أَتَى جَبَلًا مِنَ الْجِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلُعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، فَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا ، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، أَنَّهُ سُئِلَ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَفَعَ ؟ 554 قَالَ : " كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ " . وَالْعَنَقُ : هُوَ انْبِسَاطُ السَّيْرِ ، وَالنَّصُّ ، فَوْقَهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ ، فِيمَا كَتَبَ إِلِيَّ ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَمِّهِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلَهُ : ( فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) وَهِيَ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، فَسَكَتَ حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ أَيْدِي رَوَاحِلِنَا بِالْمُزْدَلِفَةِ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ؟ هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا .
وَقَالَ هُشَيْمٌ ، عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ : ( فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ) قَالَ : فَقَالَ : هُوَ الْجَبَلُ وَمَا حَوْلَهُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : رَآهُمُ ابْنُ عُمَرَ يَزْدَحِمُونَ عَلَى قُزَحَ ، فَقَالَ : عَلَامَ يَزْدَحِمُ هَؤُلَاءِ ؟ كُلُّ مَا هَاهُنَا مَشْعَرٌ .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا : هُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَيْنَ الْمُزْدَلِفَةُ ؟ قَالَ : إِذَا أَفَضْتَ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ فَذَلِكَ إِلَى مُحَسَّرٍ . قَالَ : وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ مَأْزِمَا عَرَفَةَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ ، وَلَكِنْ مُفَاضَاهُمَا . قَالَ : فَقِفْ بَيْنَهُمَا إِنْ شِئْتَ ، قَالَ : وَأُحِبُّ أَنْ تَقِفَ دُونَ قُزَحَ ، هَلُمَّ إِلَيْنَا مِنْ أَجْلِ طَرِيقِ النَّاسِ .
قُلْتُ : وَالْمَشَاعِرُ هِيَ الْمَعَالِمُ الظَّاهِرَةُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ ; لِأَنَّهَا دَاخِلُ الْحَرَمِ ، وَهَلِ الْوُقُوفُ بِهَا رُكْنٌ فِي الْحَجِّ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، مِنْهُمْ : الْقَفَّالُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، لِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ؟ أَوْ وَاجِبٌ ، كَمَا هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ يُجْبَرُ بِدَمٍ ؟ أَوْ مُسْتَحَبٌّ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ كَمَا هُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ ؟ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ ، لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ غَيْرُ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
555
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا مُحَسَّرًا " .
هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : " كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ ، وَارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ . وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسَّرٍ ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ " .
وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى هَذَا وَهُوَ الْأَشْدَقُ لَمْ يُدْرِكْ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ . وَلَكِنْ رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَسُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ : عَنِ ابْنٍ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ . وَقَالَ سُوَيْدٌ : عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) تَنْبِيهٌ لَهُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى مَشَاعِرَ الْحَجِّ ، عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) قِيلَ : مِنْ قَبْلِ هَذَا الْهَدْيِ ، وَقَبْلَ الْقُرْآنِ ، وَقَبْلَ الرَّسُولِ ، وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ ، وَمُتَلَازِمٌ ، وَصَحِيحٌ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith