تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 13 ) )
( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 15 ) )
يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ فِيمَا سَخَّرَ لَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ ( لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ ) ، وَهِيَ السُّفُنُ فِيهِ بِأَمْرِهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ الْبَحْرَ أَنْ يَحْمِلَهَا ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) أَيْ : فِي الْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ ، ( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أَيْ : عَلَى حُصُولِ الْمَنَافِعِ الْمَجْلُوبَةِ إِلَيْكُمْ مِنَ الْأَقَالِيمِ النَّائِيَةِ وَالْآفَاقِ الْقَاصِيَةِ .
266
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) أَيْ : مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالْجِبَالِ ، وَالْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَجَمِيعِ مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ ، أَيِ : الْجَمِيعُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَامْتِنَانِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( جَمِيعًا مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) [ النَّحْلِ : 53 ] .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) كُلُّ شَيْءٍ هُوَ مِنَ اللَّهِ ، وَذَلِكَ الِاسْمُ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ ، فَذَلِكَ جَمِيعًا مِنْهُ ، وَلَا يُنَازِعُهُ فِيهِ الْمُنَازِعُونَ ، وَاسْتَيْقَنَ أَنَّهُ كَذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَانِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي أَرَاكَةَ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ ؟ قَالَ : مِنَ النُّورِ وَالنَّارِ ، وَالظُّلْمَةِ وَالثَّرَى . قَالَ وَائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَاسْأَلْهُ . فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِ فَسَلْهُ : مِمَّ خُلِقَ ذَلِكَ كُلُّهُ ؟ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ ، فَتَلَا ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ .
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) أَيْ : يَصْفَحُوا عَنْهُمْ وَيَحْمِلُوا الْأَذَى مِنْهُمْ . وَهَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، أُمِرُوا أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ لِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ لَمَّا أَصَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ شَرَعَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْجِلَادَ وَالْجِهَادَ . هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ [ فِي قَوْلِهِ ] ( لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) لَا يُبَالُونَ نِعَمَ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أَيْ : إِذَا صَفَحُوا عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ اللَّهَ مُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ فِي الْآخِرَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) أَيْ : تَعُودُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُعْرَضُونَ بِأَعْمَالِكُمْ [ عَلَيْهِ ] فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا .
( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 15 ) )
يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ فِيمَا سَخَّرَ لَهُمْ مِنَ الْبَحْرِ ( لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ ) ، وَهِيَ السُّفُنُ فِيهِ بِأَمْرِهِ تَعَالَى ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَ الْبَحْرَ أَنْ يَحْمِلَهَا ( وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ) أَيْ : فِي الْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ ، ( وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أَيْ : عَلَى حُصُولِ الْمَنَافِعِ الْمَجْلُوبَةِ إِلَيْكُمْ مِنَ الْأَقَالِيمِ النَّائِيَةِ وَالْآفَاقِ الْقَاصِيَةِ .
266
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) أَيْ : مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالْجِبَالِ ، وَالْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَجَمِيعِ مَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ ، أَيِ : الْجَمِيعُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ وَامْتِنَانِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( جَمِيعًا مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ عِنْدِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) [ النَّحْلِ : 53 ] .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) كُلُّ شَيْءٍ هُوَ مِنَ اللَّهِ ، وَذَلِكَ الِاسْمُ فِيهِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ ، فَذَلِكَ جَمِيعًا مِنْهُ ، وَلَا يُنَازِعُهُ فِيهِ الْمُنَازِعُونَ ، وَاسْتَيْقَنَ أَنَّهُ كَذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، حَدَّثَنَا الْفِرْيَانِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي أَرَاكَةَ قَالَ : سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ : مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ ؟ قَالَ : مِنَ النُّورِ وَالنَّارِ ، وَالظُّلْمَةِ وَالثَّرَى . قَالَ وَائْتِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَاسْأَلْهُ . فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِ فَسَلْهُ : مِمَّ خُلِقَ ذَلِكَ كُلُّهُ ؟ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ ، فَتَلَا ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) هَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ .
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) أَيْ : يَصْفَحُوا عَنْهُمْ وَيَحْمِلُوا الْأَذَى مِنْهُمْ . وَهَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، أُمِرُوا أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ لِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ ، ثُمَّ لَمَّا أَصَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ شَرَعَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْجِلَادَ وَالْجِهَادَ . هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ [ فِي قَوْلِهِ ] ( لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ) لَا يُبَالُونَ نِعَمَ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) أَيْ : إِذَا صَفَحُوا عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّ اللَّهَ مُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ فِي الْآخِرَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) أَيْ : تَعُودُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُعْرَضُونَ بِأَعْمَالِكُمْ [ عَلَيْهِ ] فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith