تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
228 ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ( 36 ) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ( 37 ) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ( 38 ) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ( 39 ) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( 40 ) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 ) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 ) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 ) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ( 44 ) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَعْشُ ) أَيْ : يَتَعَامَى وَيَتَغَافَلُ وَيُعْرِضُ ، ( عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ) وَالْعَشَا فِي الْعَيْنِ : ضَعْفُ بَصَرِهَا . وَالْمُرَادُ هَاهُنَا عَشَا الْبَصِيرَةِ ، ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) كَقَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) [ النِّسَاءِ : 115 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) [ الصَّفِّ : 5 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) [ فُصِّلَتْ : 25 ] ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ . حَتَّى إِذَا جَاءَنَا ) أَيْ : هَذَا الَّذِي تَغَافَلَ عَنِ الْهُدَى نُقَيِّضُ لَهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يُضِلُّهُ ، وَيَهْدِيهِ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ . فَإِذَا وَافَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَبَرَّمُ بِالشَّيْطَانِ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ ، ( قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) [ أَيْ : فَبِئْسَ الْقَرِينُ كُنْتَ لِي فِي الدُّنْيَا ] وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " حَتَّى إِذَا جَاءَانَا " يَعْنِي : الْقَرِينَ وَالْمُقَارِنَ .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُعِثَ مِنْ قَبْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَفَعَ بِيَدِهِ شَيْطَانٌ فَلَمْ يُفَارِقْهُ ، حَتَّى يُصَيِّرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّارِ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : ( يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ )
وَالْمُرَادُ بِالْمَشْرِقَيْنِ هُنَا هُوَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ هَاهُنَا تَغْلِيبًا ، كَمَا يُقَالُ الْقَمَرَانِ ، وَالْعُمَرَانُ ، وَالْأَبَوَانِ ، [ وَالْعُسْرَانِ ] . قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ .
[ وَلَمَّا كَانَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمُصِيبَةِ فِي الدُّنْيَا يَحْصُلُ بِهِ تَسْلِيَةٌ لِمَنْ شَارَكَهُ فِي مُصِيبَتِهِ ، كَمَا قَالَتِ الْخَنْسَاءُ تَبْكِي أَخَاهَا :
﴿﴾ وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَى قَتْلَاهُمُ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ﴿﴾ ﴿﴾ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي ﴿﴾
قَطَعَ اللَّهُ بِذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ النَّارِ ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِذَلِكَ تَأَسٍّ وَتَسْلِيَةٌ وَلَا تَخْفِيفٌ ] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) أَيْ : لَا يُغْنِي عَنْكُمُ اجْتِمَاعُكُمْ فِي النَّارِ وَاشْتِرَاكُكُمْ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ .
وَقَوْلُهُ : ( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) أَيْ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ ، إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَهُوَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ فِي ذَلِكَ .
229
ثُمَّ قَالَ : ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) أَيْ : لَا بُدَّ أَنْ نَنْتَقِمَ مِنْهُمْ وَنُعَاقِبَهُمْ ، وَلَوْ ذَهَبْتَ أَنْتَ ، ( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) أَيْ : نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا . وَلَمْ يَقْبِضِ اللَّهُ رَسُولَهُ حَتَّى أَقَرَّ عَيْنَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ ، وَحَكَّمَهُ فِي نَوَاصِيهِمْ ، وَمَلَّكَهُ مَا تَضَمَّنَتْهُ صَيَاصِيهِمْ . هَذَا مَعْنَى قَوْلِ السُّدِّيُّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : تَلَا قَتَادَةُ : ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) فَقَالَ : ذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَقِيَتِ النِّقْمَةُ ، وَلَمْ يُرِ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُمَّتِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ ، حَتَّى مَضَى ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا وَرَأَى الْعُقُوبَةَ فِي أُمَّتِهِ ، إِلَّا نَبِيَّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ مَا يُصِيبُ أُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَمَا رُئِيَ ضَاحِكًا مُنْبَسِطًا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
وَذُكِرَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا .
وَفِي الْحَدِيثِ : " النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ " .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أَيْ : خُذْ بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى قَلْبِكَ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْحَقُّ ، وَمَا يَهْدِي إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ الْمُفْضِي إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ ، الْمُوصِلِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، وَالْخَيْرِ الدَّائِمِ الْمُقِيمِ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ لَشَرَفٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ .
وَأَوْرَدَ الْبَغَوِيُّ هَاهُنَا حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ إِلَّا أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ " . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَ [ قِيلَ ] مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أُنْزِلَ بَلُغَتِهِمْ ، فَهُمْ أَفْهَمُ النَّاسِ لَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا أَقْوَمَ النَّاسِ بِهِ وَأَعْمَلَهُمْ بِمُقْتَضَاهُ ، وَهَكَذَا كَانَ خِيَارُهُمْ وَصَفْوَتُهُمْ مِنَ الْخُلَّصِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، وَمَنْ شَابَهَهُمْ وَتَابَعَهُمْ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) أَيْ : لَتَذْكِيرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي مَنْ سِوَاهُمْ ، كَقَوْلِهِ : ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 10 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] .
230
( وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) أَيْ : عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ وَكَيْفَ كُنْتُمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) ؟ أَيْ : جَمِيعُ الرُّسُلِ دَعَوْا إِلَى مَا دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَنَهَوْا عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ، كَقَوْلِهِ : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [ النَّحْلِ : 36 ] . قَالَ مُجَاهِدٌ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : " وَاسْأَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا " . وَهَكَذَا حَكَاهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَهَذَا كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَا تِلَاوَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : وَاسْأَلْهُمْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ جُمِعُوا لَهُ . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الْأَوَّلَ ، [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَعْشُ ) أَيْ : يَتَعَامَى وَيَتَغَافَلُ وَيُعْرِضُ ، ( عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ) وَالْعَشَا فِي الْعَيْنِ : ضَعْفُ بَصَرِهَا . وَالْمُرَادُ هَاهُنَا عَشَا الْبَصِيرَةِ ، ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) كَقَوْلِهِ : ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) [ النِّسَاءِ : 115 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) [ الصَّفِّ : 5 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ) [ فُصِّلَتْ : 25 ] ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ . حَتَّى إِذَا جَاءَنَا ) أَيْ : هَذَا الَّذِي تَغَافَلَ عَنِ الْهُدَى نُقَيِّضُ لَهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يُضِلُّهُ ، وَيَهْدِيهِ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ . فَإِذَا وَافَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَبَرَّمُ بِالشَّيْطَانِ الَّذِي وُكِّلَ بِهِ ، ( قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ) [ أَيْ : فَبِئْسَ الْقَرِينُ كُنْتَ لِي فِي الدُّنْيَا ] وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " حَتَّى إِذَا جَاءَانَا " يَعْنِي : الْقَرِينَ وَالْمُقَارِنَ .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا بُعِثَ مِنْ قَبْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَفَعَ بِيَدِهِ شَيْطَانٌ فَلَمْ يُفَارِقْهُ ، حَتَّى يُصَيِّرَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى النَّارِ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : ( يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ )
وَالْمُرَادُ بِالْمَشْرِقَيْنِ هُنَا هُوَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَإِنَّمَا اسْتُعْمِلَ هَاهُنَا تَغْلِيبًا ، كَمَا يُقَالُ الْقَمَرَانِ ، وَالْعُمَرَانُ ، وَالْأَبَوَانِ ، [ وَالْعُسْرَانِ ] . قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ .
[ وَلَمَّا كَانَ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمُصِيبَةِ فِي الدُّنْيَا يَحْصُلُ بِهِ تَسْلِيَةٌ لِمَنْ شَارَكَهُ فِي مُصِيبَتِهِ ، كَمَا قَالَتِ الْخَنْسَاءُ تَبْكِي أَخَاهَا :
﴿﴾ وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَى قَتْلَاهُمُ لَقَتَلْتُ نَفْسِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ﴿﴾ ﴿﴾ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي ﴿﴾
قَطَعَ اللَّهُ بِذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ النَّارِ ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِذَلِكَ تَأَسٍّ وَتَسْلِيَةٌ وَلَا تَخْفِيفٌ ] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) أَيْ : لَا يُغْنِي عَنْكُمُ اجْتِمَاعُكُمْ فِي النَّارِ وَاشْتِرَاكُكُمْ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ .
وَقَوْلُهُ : ( أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) أَيْ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكَ ، إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ، وَهُوَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ فِي ذَلِكَ .
229
ثُمَّ قَالَ : ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) أَيْ : لَا بُدَّ أَنْ نَنْتَقِمَ مِنْهُمْ وَنُعَاقِبَهُمْ ، وَلَوْ ذَهَبْتَ أَنْتَ ، ( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ) أَيْ : نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا . وَلَمْ يَقْبِضِ اللَّهُ رَسُولَهُ حَتَّى أَقَرَّ عَيْنَهُ مِنْ أَعْدَائِهِ ، وَحَكَّمَهُ فِي نَوَاصِيهِمْ ، وَمَلَّكَهُ مَا تَضَمَّنَتْهُ صَيَاصِيهِمْ . هَذَا مَعْنَى قَوْلِ السُّدِّيُّ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : تَلَا قَتَادَةُ : ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ) فَقَالَ : ذَهَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَقِيَتِ النِّقْمَةُ ، وَلَمْ يُرِ اللَّهُ نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُمَّتِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ ، حَتَّى مَضَى ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا وَرَأَى الْعُقُوبَةَ فِي أُمَّتِهِ ، إِلَّا نَبِيَّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيَ مَا يُصِيبُ أُمَّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَمَا رُئِيَ ضَاحِكًا مُنْبَسِطًا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
وَذُكِرَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ . ثُمَّ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا .
وَفِي الْحَدِيثِ : " النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي ، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ " .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) أَيْ : خُذْ بِالْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ عَلَى قَلْبِكَ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْحَقُّ ، وَمَا يَهْدِي إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ الْمُفْضِي إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ ، الْمُوصِلِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ ، وَالْخَيْرِ الدَّائِمِ الْمُقِيمِ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ لَشَرَفٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ .
وَأَوْرَدَ الْبَغَوِيُّ هَاهُنَا حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : " إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُنَازِعُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ إِلَّا أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ " . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
وَ [ قِيلَ ] مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أُنْزِلَ بَلُغَتِهِمْ ، فَهُمْ أَفْهَمُ النَّاسِ لَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا أَقْوَمَ النَّاسِ بِهِ وَأَعْمَلَهُمْ بِمُقْتَضَاهُ ، وَهَكَذَا كَانَ خِيَارُهُمْ وَصَفْوَتُهُمْ مِنَ الْخُلَّصِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، وَمَنْ شَابَهَهُمْ وَتَابَعَهُمْ .
وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) أَيْ : لَتَذْكِيرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ، وَتَخْصِيصُهُمْ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي مَنْ سِوَاهُمْ ، كَقَوْلِهِ : ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 10 ] ، وَكَقَوْلِهِ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] .
230
( وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ) أَيْ : عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ وَكَيْفَ كُنْتُمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) ؟ أَيْ : جَمِيعُ الرُّسُلِ دَعَوْا إِلَى مَا دَعَوْتَ النَّاسَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَنَهَوْا عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ، كَقَوْلِهِ : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) [ النَّحْلِ : 36 ] . قَالَ مُجَاهِدٌ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : " وَاسْأَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا " . وَهَكَذَا حَكَاهُ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَهَذَا كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَا تِلَاوَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : وَاسْأَلْهُمْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ جُمِعُوا لَهُ . وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ الْأَوَّلَ ، [ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ] .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith