تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1676 · printed p. 192
( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 ) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( 8 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكَ ، ( أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ) أَيْ : وَاضِحًا جَلِيًّا بَيِّنًا ، ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى ) وَهِيَ مَكَّةُ ، ( وَمَنْ حَوْلَهَا ) أَيْ : مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ شَرْقًا وَغَرْبًا ، وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ " أُمَّ الْقُرَى " ; لِأَنَّهَا أَشْرَفُ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ ، لِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي مَوَاضِعِهَا . وَمِنْ أَوْجَزِ ذَلِكَ وَأَدَلِّهِ مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ الزُّهْرِيَّ أَخْبَرَهُ : ۝ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ - وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ - : " وَاللَّهِ ، إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ " .
وَهَكَذَا رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ ) ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ .
وَقَوْلُهُ : ( لَا رَيْبَ فِيهِ ) أَيْ : لَا شَكَّ فِي وُقُوعِهِ ، وَأَنَّهُ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ . وَقَوْلُهُ : ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) ، كَقَوْلِهِ : ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ) [ التَّغَابُنِ : 9 ] أَيْ : يَغْبِنُ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَهْلَ النَّارِ ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) [ هُودٍ : 103 - 105 ] .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، حَدَّثَنِي أَبُو قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ ، عَنْ شُفَيٍّ 192 الْأَصْبَحِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : ۝ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ ، فَقَالَ : " أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ ؟ " قَالَ : قُلْنَا : لَا إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى : " هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، بِأَسْمَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ، ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ - لَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا " ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي يَسَارِهِ : " هَذَا كِتَابُ أَهْلِ النَّارِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ، ثُمَّ أَجْمَلَ عَلَى آخِرِهِمْ - لَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَلِأَيِّ شَيْءٍ إِذًا نَعْمَلُ إِنْ كَانَ هَذَا أَمْرًا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَدِّدُوا وَقَارِبُوا ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ النَّارِ ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ " ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَهَا ، ثُمَّ قَالَ : " فَرَغَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعِبَادِ " ثُمَّ قَالَ بِالْيُمْنَى فَنَبَذَ بِهَا فَقَالَ : " فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ " ، وَنَبَذَ بِالْيُسْرَى فَقَالَ : " فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ "
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ جَمِيعًا ، عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَبَكْرِ بْنِ مُضَرَ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ الْأَصْبَحِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، بِهِ .
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ .
وَسَاقَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَهُ بِنَحْوِهِ . وَعِنْدَهُ زِيَادَاتٌ مِنْهَا : ثُمَّ ۝ قَالَ : " فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ، عَدْلٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " .
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ - كَاتِبِ اللَّيْثِ - عَنِ اللَّيْثِ ، بِهِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ ، عَنْ شُفَيٍّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَذَكَرَهُ .
ثُمَّ رُوِيَ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ ; أَنَّ أَبَا فِرَاسٍ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ نَفَضَهُ نَفْضَ الْمِزْوَدِ ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ ذُرِّيَّتِهِ ، فَخَرَجَ أَمْثَالَ النَّغَفِ ، فَقَبَضَهُمْ قَبْضَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ، ثُمَّ أَلْقَاهُمَا ، ثُمَّ قَبَضَهُمَا فَقَالَ : ( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ .
وَهَذَا الْمَوْقُوفُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
193
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ - أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَالُ لَهُ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي ، فَقَالُوا لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " خُذْ مِنْ شَارِبِكَ ثُمَّ أَقِرَّهُ حَتَّى تَلْقَانِي " قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ " إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً ، وَأُخْرَى بِالْيَدِ الْأُخْرَى ، قَالَ : هَذِهِ لِهَذِهِ ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِي " فَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا .
وَأَحَادِيثُ الْقَدَرِ فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَجَمَاعَةٍ جَمَّةٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ) أَيْ : إِمَّا عَلَى الْهِدَايَةِ أَوْ عَلَى الضَّلَالَةِ ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى فَاوَتَ بَيْنَهُمْ ، فَهَدَى مَنْ يَشَاءُ إِلَى الْحَقِّ ، وَأَضَلَّ مَنْ يَشَاءُ عَنْهُ ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ )
وَقَالَ : ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي سُوَيْدٍ ، حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : : يَا رَبِّ خَلْقُكَ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ ، جَعَلْتَ مِنْهُمْ فَرِيقًا فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقًا فِي النَّارِ ، لَوْ مَا أَدْخَلْتَهُمْ كُلَّهُمُ الْجَنَّةَ ؟ ! فَقَالَ : يَا مُوسَى ، ارْفَعْ ذَرْعَكَ . فَرَفَعَ ، قَالَ : قَدْ رَفَعْتُ . قَالَ : ارْفَعْ . فَرَفَعَ ، فَلَمْ يُتْرَكْ شَيْئًا ، قَالَ : يَا رَبِّ قَدْ رَفَعْتُ ، قَالَ : ارْفَعْ . قَالَ : قَدْ رَفَعْتُ ، إِلَّا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ . قَالَ : كَذَلِكَ أُدْخِلُ خَلْقِي كُلَّهُمُ الْجَنَّةَ ، إِلَّا مَا لَا خَيْرَ فِيهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith