تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
الصفحة 1660 · ص. المطبوع 160
( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ( 83 ) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ( 84 ) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ( 85 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ بِالرُّسُلِ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ ، وَمَاذَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ، مَعَ 160 شِدَّةِ قُوَاهُمْ ، وَمَا أَثَّرُوهُ فِي الْأَرْضِ ، وَجَمَعُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ ، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَلَا رَدَّ عَنْهُمْ ذَرَّةً مِنْ بَأْسِ اللَّهِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالْبَيِّنَاتِ ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَاتِ ، وَالْبَرَاهِينِ الدَّامِغَاتِ ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ ، وَلَا أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ، وَاسْتَغْنَوْا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ فِي زَعْمِهِمْ عَمَّا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : قَالُوا : نَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ لَنْ نُبْعَثَ وَلَنْ نُعَذَّبَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِجَهَالَتِهِمْ ، فَأَتَاهُمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ .
( وَحَاقَ بِهِمْ ) أَيْ : أَحَاطَ بِهِمْ ( مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) أَيْ : يُكَذِّبُونَ وَيَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ .
( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ) أَيْ : عَايَنُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ ، ( قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ) أَيْ : وَحَّدُوا اللَّهَ وَكَفَرُوا بِالطَّاغُوتِ ، وَلَكِنْ حَيْثُ لَا تُقَالُ الْعَثَرَاتُ ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَعْذِرَةُ . وَهَذَا كَمَا قَالَ فِرْعَوْنُ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ : ( آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ يُونُسَ : 90 ] ، قَالَ اللَّهُ [ تَبَارَكَ وَ ] تَعَالَى : ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) [ يُونُسَ : 91 ] أَيْ : فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لِنَبِيِّهِ مُوسَى دُعَاءَهُ عَلَيْهِ حِينَ قَالَ : ( وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) [ يُونُسَ : 88 ] . وَ [ هَكَذَا ] هَاهُنَا قَالَ : ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ) أَيْ : هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي جَمِيعِ مَنْ تَابَ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ : أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ; وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " ۝ إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ " أَيْ : فَإِذَا غَرْغَرَ وَبَلَغَتِ الرُّوحُ الْحَنْجَرَةَ ، وَعَايَنَ الْمَلِكَ ، فَلَا تَوْبَةَ حِينَئِذٍ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ )
آخِرُ تَفْسِيرِ " سُورَةِ غَافِرٍ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث