تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1614 · printed p. 88
88 ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ( 9 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : أَمَّنَ هَذِهِ صِفَتُهُ كَمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَجَعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ؟ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 113 ] ، وَقَالَ هَاهُنَا : ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا ) أَيْ : فِي حَالِ سُجُودِهِ وَفِي حَالِ قِيَامِهِ ; وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقُنُوتَ هُوَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ ، لَيْسَ هُوَ الْقِيَامُ وَحْدَهُ كَمَا ، ذَهَبَ إِلَيْهِ آخَرُونَ .
قَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : الْقَانِتُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ : ( آنَاءَ اللَّيْلِ ) : جَوْفُ اللَّيْلِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ : بَلَغَنَا أَنَّ ذَلِكَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ : ( آنَاءَ اللَّيْلِ ) : أَوَّلُهُ وَأَوْسَطُهُ وَآخِرُهُ .
وَقَوْلُهُ : ( يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) أَيْ : فِي حَالِ عِبَادَتِهِ خَائِفٌ رَاجٍ ، وَلَا بُدَّ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ هَذَا وَهَذَا ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ فِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ هُوَ الْغَالِبُ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ فَلْيَكُنِ الرَّجَاءُ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ فِي مَسْنَدِهِ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ۝ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ ، فَقَالَ لَهُ : " كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ " قَالَ : أَرْجُو وَأَخَافُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - الَّذِي يَرْجُو ، وَأَمْنَهُ الَّذِي يَخَافُهُ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي " الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ سَيَّارِ بْنِ حَاتِمٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : " غَرِيبٌ . وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، عَنْ عُبَيْدَةَ النُّمَيْرِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو خَلَفٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْخَزَّازُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى البّكَّاءُ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَرَأَ : ( أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) ; قَالَ ابْنُ عُمَرَ : ذَاكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ذَلِكَ ; لِكَثْرَةِ صَلَاةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بِاللَّيْلِ وَقِرَاءَتِهِ ، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَ الشَّاعِرُ .
89
﴿﴾ ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا ﴿﴾
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : كَتَبَ إِلَيَّ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ مَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ " .
وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي " الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ " عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَالرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ حُمَيْدٍ ، بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : هَلْ يَسْتَوِي هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ؟ ! ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) أَيْ : إِنَّمَا يَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا مَنْ لَهُ لُبٌّ وَهُوَ الْعَقْلُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith