تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1456 · printed p. 351
351 ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 31 ) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ( 32 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ فِيهِ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ ، أَيْ : بِلُطْفِهِ وَتَسْخِيرِهِ; فَإِنَّهُ لَوْلَا مَا جَعَلَ فِي الْمَاءِ مِنْ قُوَّةٍ يَحْمِلُ بِهَا السُّفُنَ لَمَا جَرَتْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ ) أَيْ : مِنْ قُدْرَتِهِ ، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) أَيْ : صَبَّارٌ فِي الضَّرَّاءِ ، شَكُورٌ فِي الرَّخَاءِ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ ) أَيْ : كَالْجِبَالِ وَالْغَمَامِ ، ( دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) [ الْإِسْرَاءِ : 67 ] ، وَقَالَ ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 65 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : أَيْ كَافِرٌ . كَأَنَّهُ فَسَرَّ الْمُقْتَصِدَ هَاهُنَا بِالْجَاحِدِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 65 ] .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هُوَ الْمُتَوَسِّطُ فِي الْعَمَلِ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ هُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ : ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) [ فَاطِرٍ : 32 ] ، فَالْمُقْتَصِدُ هَاهُنَا هُوَ : الْمُتَوَسِّطُ فِي الْعَمَلِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا هُنَا أَيْضًا ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ شَاهَدَ تِلْكَ الْأَهْوَالَ وَالْأُمُورَ الْعِظَامَ وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ فِي الْبَحْرِ ، ثُمَّ بَعْدَمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَلَاصِ ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَابِلَ ذَلِكَ بِالْعَمَلِ التَّامِّ ، وَالدَّؤُوبِ فِي الْعِبَادَةِ ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ . فَمَنِ اقْتَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُقَصِّرًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) : فَالْخَتَّارُ : هُوَ الْغَدَّارُ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَهُوَ الَّذِي كُلَّمَا عَاهَدَ نَقَضَ عَهْدَهُ ، وَالْخَتْرُ : أَتَمُّ الْغَدْرِ وَأَبْلَغُهُ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ :
﴿﴾ وَإِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ أَبَا عُمَيْرٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مَلَأْتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وَخَتْرِ ﴿﴾
وَقَوْلُهُ : ( كَفُورٌ ) أَيْ : جَحُودٌ لِلنِّعَمِ لَا يَشْكُرُهَا ، بَلْ يَتَنَاسَاهَا وَلَا يَذْكُرُهَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith