تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
الصفحة 1454 · ص. المطبوع 349
( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 27 ) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَجَلَالِهِ ، وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَا وَكَلِمَاتِهِ التَّامَّةِ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا أَحَدٌ ، وَلَا اطِّلَاعَ لِبِشْرٍ عَلَى كُنْهِهَا وَإِحْصَائِهَا ، كَمَا قَالَ سَيِّدُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الرُّسُلِ : ۝ " لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ " ، فَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ) [ أَيْ : وَلَوْ أَنَّ جَمِيعَ أَشْجَارِ الْأَرْضِ جُعِلَتْ أَقْلَامًا ، وَجُعِلَ الْبَحْرُ مِدَادًا وَمَدَّهُ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ] مَعَهُ ، فَكُتِبَتْ بِهَا كَلِمَاتُ اللَّهِ الدَّالَّةُ عَلَى عَظْمَتِهِ وَصِفَاتِهِ وَجَلَالِهِ لَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ ، وَنَفِدَ مَاءُ الْبَحْرِ ، وَلَوْ جَاءَ أَمْثَالُهَا مَدَدًا .
وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ " السَّبْعَةُ " عَلَى وَجْهِ الْمُبَالِغَةِ ، وَلَمْ يُرِدِ الْحَصْرَ وَلَا [ أَنَّ ] ثَمَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ مَوْجُودَةً تُحِيطُ بِالْعَالَمِ ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ تَلَقَّاهُ مِنْ كَلَامِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ الَّتِي لَا تُصَدَّقُ وَلَا تُكَذَّبُ ، بَلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) [ الْكَهْفِ : 109 ] ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( بِمِثْلِهِ ) آخَرَ فَقَطْ ، بَلْ بِمِثْلِهِ ثُمَّ بِمِثْلِهِ ثُمَّ بِمِثْلِهِ ، ثُمَّ هَلُمَّ جَرًّا; لِأَنَّهُ لَا حَصْرَ لِآيَاتِ اللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : لَوْ جُعِلَ شَجَرُ الْأَرْضِ أَقْلَامًا ، وَجُعِلَ الْبَحْرُ مِدَادًا ، وَقَالَ اللَّهُ : " إِنَّ مِنْ أَمْرِي كَذَا ، وَمِنْ أَمْرِي كَذَا " لَنَفِدَ مَا فِي الْبُحُورِ ، وَتَكَسَّرَتِ الْأَقْلَامُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إِنَّمَا هَذَا كَلَامٌ يُوشِكُ أَنْ يَنْفَدَ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ) أَيْ : لَوْ كَانَ شَجَرُ الْأَرْضِ أَقْلَامًا ، وَمَعَ الْبَحْرِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ، مَا كَانَ لِتَنْفَدَ عَجَائِبُ رَبِّي وَحِكْمَتُهُ وَخَلْقُهُ وَعِلْمُهُ .
349 وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : إِنَّ مَثَلَ عِلْمِ الْعِبَادِ كُلِّهِمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ كَقَطْرَةٍ مِنْ مَاءِ الْبُحُورِ كُلِّهَا ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ) الْآيَةَ .
يَقُولُ : لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَالْأَشْجَارِ كُلُّهَا أَقْلَامًا ، لَانْكَسَرَتِ الْأَقْلَامُ ، وَفَنِيَ مَاءُ الْبَحْرِ ، وَبَقِيَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ قَائِمَةً لَا يُفْنِيهَا شَيْءٌ ; لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْدِرَ قَدْرَهُ ، وَلَا يُثْنِيَ عَلَيْهِ كَمَا يَنْبَغِي ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُثْنِي عَلَى نَفْسِهِ . إِنَّ رَبَّنَا كَمَا يَقُولُ ، وَفَوْقَ مَا نَقُولُ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْيَهُودِ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ ، ۝ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ : يَا مُحَمَّدُ ، أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ : ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) ؟ [ الْإِسْرَاءِ : 85 ] ، إِيَّانَا تُرِيدُ أَمْ قَوْمَكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَلَّا " . فَقَالُوا : أَلَسْتَ تَتْلُو فِيمَا جَاءَكَ أَنَّا قَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ فِيهَا تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ ، وَعِنْدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَكْفِيكُمْ " . وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ : ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ ) الْآيَةَ .
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لَا مَكِّيَّةٌ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أَيْ : عَزِيزٌ قَدْ عَزَّ كُلَّ شَيْءٍ وَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ ، فَلَا مَانِعَ لِمَا أَرَادَ وَلَا مُخَالِفَ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، ( حَكِيمٌ ) فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ ، وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَشَرْعِهِ وَجَمِيعِ شُؤُونِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) أَيْ : مَا خَلْقُ جَمِيعِ النَّاسِ وَبَعْثُهُمْ يَوْمَ الْمَعَادِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى قُدْرَتِهِ إِلَّا كَنِسْبَةِ [ خَلْقِ ] نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، الْجَمِيعُ هَيِّنٌ عَلَيْهِ وَ ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يس : 82 ] ، ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) [ الْقَمَرِ : 50 ] أَيْ : لَا يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكَرُّرِهِ وَتَوَكُّدِهِ . ( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ) [ النَّازِعَاتِ : 13 ، 14 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) أَيْ : كَمَا هُوَ سَمِيعٌ لِأَقْوَالِهِمْ بَصِيرٌ بِأَفْعَالِهِمْ كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ كَذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِمْ كَقُدْرَتِهِ عَلَى نَفْسٍ وَاحِدَةٍ; وَلِهَذَا قَالَ : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ [ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ] ) .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث