تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
290 ( يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ( 57 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) ) .
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْهِجْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي لَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ ، إِلَى أَرْضِ اللَّهِ الْوَاسِعَةِ ، حَيْثُ يُمْكِنُ إِقَامَةُ الدِّينِ ، بِأَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ وَيَعْبُدُوهُ كَمَا أَمَرَهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ ، فَحَيْثُمَا أَصَبْتَ خَيْرًا فَأَقِمْ " .
وَلِهَذَا لَمَّا ضَاقَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مُقَامَهُمْ بِهَا ، خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، لِيَأْمَنُوا عَلَى دِينِهِمْ هُنَاكَ ، فَوَجَدُوا هُنَاكَ خَيْرَ الْمَنْزِلَيْنِ ، أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، آوَاهُمْ وَأَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ ، وَجَعَلَهُمْ سُيُومًا بِبِلَادِهِ . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يَثْرِبَ الْمُطَهَّرَةِ
291
ثُمَّ قَالَ : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) أَيْ : أَيْنَمَا كُنْتُمْ يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، فَكُونُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَحَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا مَحِيدَ عَنْهُ ، ثُمَّ إِلَى اللَّهِ 292 الْمَرْجِعُ [ وَالْمَآبُ ] ، فَمَنْ كَانَ مُطِيعًا لَهُ جَازَاهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ ، وَوَافَاهُ أَتَمَّ الثَّوَابِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) أَيْ : لَنُسْكِنَنَّهُمْ مَنَازِلَ عَالِيَةً فِي الْجَنَّةِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا ، مِنْ مَاءٍ وَخَمْرٍ ، وَعَسَلٍ وَلَبَنٍ ، يُصَرِّفُونَهَا وَيُجْرُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا ، ( خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ( نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) : نِعْمَتْ هَذِهِ الْغُرَفُ أَجْرًا عَلَى أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ .
( الَّذِينَ صَبَرُوا ) أَيْ : عَلَى دِينِهِمْ ، وَهَاجَرُوا إِلَى اللَّهِ ، وَنَابَذُوا الْأَعْدَاءَ ، وَفَارَقُوا الْأَهْلَ وَالْأَقْرِبَاءَ ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، وَرَجَاءَ مَا عِنْدَهُ وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ الْمُؤَذِّنُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاتِقٍ الْأَشْعَرِيُّ ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَهُ : أَنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا ، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ ، وَأَطَابَ الْكَلَامَ ، وَأَبَاحَ الصِّيَامَ ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ .
[ وَقَوْلُهُ ] : ( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) فِي أَحْوَالِهِمْ كُلِّهَا ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ .
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنَّ الرِّزْقَ لَا يُخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ ، بَلْ رِزْقُهُ تَعَالَى عَامٌّ لِخَلْقِهِ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا ، بَلْ كَانَتْ أَرْزَاقُ الْمُهَاجِرِينَ حَيْثُ هَاجَرُوا أَكْثَرَ وَأَوْسَعَ وَأَطْيَبَ ، فَإِنَّهُمْ بَعْدَ قَلِيلٍ صَارُوا حُكَّامَ الْبِلَادِ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) أَيْ : لَا تُطِيقُ جَمْعَهُ وَتَحْصِيلَهُ وَلَا تُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدٍ ، ( اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) أَيِ : اللَّهُ يُقَيِّضُ لَهَا رِزْقَهَا عَلَى ضَعْفِهَا ، وَيُيَسِّرُهُ عَلَيْهَا ، فَيَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ مِنَ الرِّزْقِ مَا يُصْلِحُهُ ، حَتَّى الذَّرِّ فِي قَرَارِ الْأَرْضِ ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ هُودٍ : 6 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ - حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مِنْهَالٍ الْجَزَرِيُّ - هُوَ أَبُو الْعَطُوفِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ التَّمْرِ وَيَأْكُلُ ، فَقَالَ لِي : " يَا ابْنَ عُمَرَ ، مَا لَكَ لَا تَأْكُلُ ؟ " قَالَ : قُلْتُ : لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ ، 293 وَهَذِهِ صُبْحُ رَابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَمْ أَجِدْهُ ، وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ قَيْصَرَ وَكِسْرَى فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ بِضَعْفِ الْيَقِينِ ؟ " . قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْنَا وَلَا رِمْنا حَتَّى نَزَلَتْ : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيَا ، وَلَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ ، فَمَنْ كَنَزَ دُنْيَاهُ يُرِيدُ بِهَا حَيَاةً بَاقِيَةً فَإِنَّ الْحَيَاةَ بِيَدِ اللَّهِ ، أَلَا وَإِنِّي لَا أَكْنِزُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو الْعَطُوفِ الْجَزَرِيُّ ضَعِيفٌ .
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْغُرَابَ إِذَا فَقَسَ عَنْ فِرَاخِهِ الْبَيْضَ ، خَرَجُوا وَهُمْ بِيضٌ فَإِذَا رَآهُمْ أَبَوَاهُمْ كَذَلِكَ ، نَفَرَا عَنْهُمْ أَيَّامًا حَتَّى يَسْوَدَّ الرِّيشُ ، فَيَظَلُّ الْفَرْخُ فَاتِحًا فَاهُ يَتَفَقَّدُ أَبَوَيْهِ ، فَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ طَيْرًا صِغَارًا كَالْبَرْغَشِ فَيَغْشَاهُ فَيَتَقَوَّتُ مِنْهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ حَتَّى يَسْوَدَّ رِيشُهُ ، وَالْأَبَوَانِ يَتَفَقَّدَانِهِ كُلَّ وَقْتٍ ، فَكُلَّمَا رَأَوْهُ أَبْيَضَ الرِّيشِ نَفَرَا عَنْهُ ، فَإِذَا رَأَوْهُ قَدِ اسْوَدَّ رِيشُهُ عَطَفَا عَلَيْهِ بِالْحَضَانَةِ وَالرِّزْقِ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ يَا رَازِقَ النَّعَّابِ في عُشِّهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَجَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ الْمَهِيضِ ﴿﴾ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جُمْلَةِ كَلَامٍ لَهُ فِي الْأَوَامِرِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا " .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَخْبَرَنَا إِمْلَاءً أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدَانَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَّانٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَدَّادٍ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتَغْنَمُوا " . قَالَ : وَرُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَافِرُوا تَرْبَحُوا ، وَصُومُوا تَصِحُّوا ، وَاغْزُوا تَغْنَمُوا " .
وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَوْقُوفًا . وَفِي 294 لَفْظٍ : " سَافِرُوا مَعَ ذَوِي الْجُدُودِ وَالْمَيْسَرَةِ "
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أَيِ : السَّمِيعُ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ ، الْعَلِيمُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ .
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْهِجْرَةِ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي لَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ ، إِلَى أَرْضِ اللَّهِ الْوَاسِعَةِ ، حَيْثُ يُمْكِنُ إِقَامَةُ الدِّينِ ، بِأَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ وَيَعْبُدُوهُ كَمَا أَمَرَهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنِي جُبَيْرُ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " الْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ ، فَحَيْثُمَا أَصَبْتَ خَيْرًا فَأَقِمْ " .
وَلِهَذَا لَمَّا ضَاقَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ مُقَامَهُمْ بِهَا ، خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، لِيَأْمَنُوا عَلَى دِينِهِمْ هُنَاكَ ، فَوَجَدُوا هُنَاكَ خَيْرَ الْمَنْزِلَيْنِ ، أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، آوَاهُمْ وَأَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ ، وَجَعَلَهُمْ سُيُومًا بِبِلَادِهِ . ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ يَثْرِبَ الْمُطَهَّرَةِ
291
ثُمَّ قَالَ : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) أَيْ : أَيْنَمَا كُنْتُمْ يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، فَكُونُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَحَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَلَا مَحِيدَ عَنْهُ ، ثُمَّ إِلَى اللَّهِ 292 الْمَرْجِعُ [ وَالْمَآبُ ] ، فَمَنْ كَانَ مُطِيعًا لَهُ جَازَاهُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ ، وَوَافَاهُ أَتَمَّ الثَّوَابِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ) أَيْ : لَنُسْكِنَنَّهُمْ مَنَازِلَ عَالِيَةً فِي الْجَنَّةِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ، عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا ، مِنْ مَاءٍ وَخَمْرٍ ، وَعَسَلٍ وَلَبَنٍ ، يُصَرِّفُونَهَا وَيُجْرُونَهَا حَيْثُ شَاءُوا ، ( خَالِدِينَ فِيهَا ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ( نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) : نِعْمَتْ هَذِهِ الْغُرَفُ أَجْرًا عَلَى أَعْمَالِ الْمُؤْمِنِينَ .
( الَّذِينَ صَبَرُوا ) أَيْ : عَلَى دِينِهِمْ ، وَهَاجَرُوا إِلَى اللَّهِ ، وَنَابَذُوا الْأَعْدَاءَ ، وَفَارَقُوا الْأَهْلَ وَالْأَقْرِبَاءَ ، ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ، وَرَجَاءَ مَا عِنْدَهُ وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهِ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ الْمُؤَذِّنُ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنِي أَبُو مُعَاتِقٍ الْأَشْعَرِيُّ ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَهُ : أَنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا ، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ ، وَأَطَابَ الْكَلَامَ ، وَأَبَاحَ الصِّيَامَ ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَالنَّاسُ نِيَامٌ .
[ وَقَوْلُهُ ] : ( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) فِي أَحْوَالِهِمْ كُلِّهَا ، فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ .
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى أَنَّ الرِّزْقَ لَا يُخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ ، بَلْ رِزْقُهُ تَعَالَى عَامٌّ لِخَلْقِهِ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا ، بَلْ كَانَتْ أَرْزَاقُ الْمُهَاجِرِينَ حَيْثُ هَاجَرُوا أَكْثَرَ وَأَوْسَعَ وَأَطْيَبَ ، فَإِنَّهُمْ بَعْدَ قَلِيلٍ صَارُوا حُكَّامَ الْبِلَادِ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ) أَيْ : لَا تُطِيقُ جَمْعَهُ وَتَحْصِيلَهُ وَلَا تُؤَخِّرُ شَيْئًا لِغَدٍ ، ( اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ) أَيِ : اللَّهُ يُقَيِّضُ لَهَا رِزْقَهَا عَلَى ضَعْفِهَا ، وَيُيَسِّرُهُ عَلَيْهَا ، فَيَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ مِنَ الرِّزْقِ مَا يُصْلِحُهُ ، حَتَّى الذَّرِّ فِي قَرَارِ الْأَرْضِ ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) [ هُودٍ : 6 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ - حَدَّثَنَا الْجَرَّاحُ بْنُ مِنْهَالٍ الْجَزَرِيُّ - هُوَ أَبُو الْعَطُوفِ - عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى دَخَلَ بَعْضَ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ ، فَجَعَلَ يَلْتَقِطُ مِنَ التَّمْرِ وَيَأْكُلُ ، فَقَالَ لِي : " يَا ابْنَ عُمَرَ ، مَا لَكَ لَا تَأْكُلُ ؟ " قَالَ : قُلْتُ : لَا أَشْتَهِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " لَكِنِّي أَشْتَهِيهِ ، 293 وَهَذِهِ صُبْحُ رَابِعَةٍ مُنْذُ لَمْ أَذُقْ طَعَامًا وَلَمْ أَجِدْهُ ، وَلَوْ شِئْتُ لَدَعَوْتُ رَبِّي فَأَعْطَانِي مِثْلَ مُلْكِ قَيْصَرَ وَكِسْرَى فَكَيْفَ بِكَ يَا ابْنَ عُمَرَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُخَبِّئُونَ رِزْقَ سَنَتِهِمْ بِضَعْفِ الْيَقِينِ ؟ " . قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا بَرِحْنَا وَلَا رِمْنا حَتَّى نَزَلَتْ : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِكَنْزِ الدُّنْيَا ، وَلَا بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ ، فَمَنْ كَنَزَ دُنْيَاهُ يُرِيدُ بِهَا حَيَاةً بَاقِيَةً فَإِنَّ الْحَيَاةَ بِيَدِ اللَّهِ ، أَلَا وَإِنِّي لَا أَكْنِزُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ، وَلَا أُخَبِّئُ رِزْقًا لِغَدٍ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو الْعَطُوفِ الْجَزَرِيُّ ضَعِيفٌ .
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْغُرَابَ إِذَا فَقَسَ عَنْ فِرَاخِهِ الْبَيْضَ ، خَرَجُوا وَهُمْ بِيضٌ فَإِذَا رَآهُمْ أَبَوَاهُمْ كَذَلِكَ ، نَفَرَا عَنْهُمْ أَيَّامًا حَتَّى يَسْوَدَّ الرِّيشُ ، فَيَظَلُّ الْفَرْخُ فَاتِحًا فَاهُ يَتَفَقَّدُ أَبَوَيْهِ ، فَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ طَيْرًا صِغَارًا كَالْبَرْغَشِ فَيَغْشَاهُ فَيَتَقَوَّتُ مِنْهُ تِلْكَ الْأَيَّامَ حَتَّى يَسْوَدَّ رِيشُهُ ، وَالْأَبَوَانِ يَتَفَقَّدَانِهِ كُلَّ وَقْتٍ ، فَكُلَّمَا رَأَوْهُ أَبْيَضَ الرِّيشِ نَفَرَا عَنْهُ ، فَإِذَا رَأَوْهُ قَدِ اسْوَدَّ رِيشُهُ عَطَفَا عَلَيْهِ بِالْحَضَانَةِ وَالرِّزْقِ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ يَا رَازِقَ النَّعَّابِ في عُشِّهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَجَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ الْمَهِيضِ ﴿﴾ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي جُمْلَةِ كَلَامٍ لَهُ فِي الْأَوَامِرِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا " .
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَخْبَرَنَا إِمْلَاءً أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدَانَ ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَّانٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَدَّادٍ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتَغْنَمُوا " . قَالَ : وَرُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُجَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " سَافِرُوا تَرْبَحُوا ، وَصُومُوا تَصِحُّوا ، وَاغْزُوا تَغْنَمُوا " .
وَقَدْ وَرَدَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ، وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مَوْقُوفًا . وَفِي 294 لَفْظٍ : " سَافِرُوا مَعَ ذَوِي الْجُدُودِ وَالْمَيْسَرَةِ "
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) أَيِ : السَّمِيعُ لِأَقْوَالِ عِبَادِهِ ، الْعَلِيمُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith